تلاشت مظاهر الموروث الشعبي التقليدي من جل جوانب حياة المجتمعات العربية خلال حقبة زمنية قصيرة جداً بفعل الغزو الثقافي الضيق، الذي يترافق مع الغزو الفكري الأوسع، المبني على الغزو السياسي الأشمل، لجعل الشعوب التي يتمكن الغزاة من التغلغل فيها تابعة لهم حتى في عاداتها الاجتماعية، وأنماط حياتها الاعتيادية، لتبسط القوى الاستعمارية هيمنتها على كافة مناحي الحياة لدى الشعوب التي تحس بالوهن، فتتحول الأمم التي لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتراثها الحصين إلى جماعات لا تمتلك من مقومات وجودها سوى الوجود نفسه، القائم على الاعتماد الخارجي كله.
فمع بداية فترة الرخاء الاقتصادي منذ أربعة عقود تقريباً، بدأت الأجيال الناشئة في ذلك الزمن تتذمر من ثقل وزر كثير من العادات والتقاليد التي كانت تسود المجتمعات العربية، وتضفي عليها خصوصيتها، وعلى الرغم من تشبث أجيال الآباء بتلك القيم الاجتماعية التي كان لها دورها القوي في الترابط الاجتماعي، وأثرها المكين في تمتين التكافل الأسري، إلا أن الجيل الذي حلَّ في المكان والمكانة استطاع التخلص من كثير من تلك الموروثات، دون الالتفات إلى قيمتها الحقَّة في الثقافة العامة، وبلا تبرير لتأثير غيابها في تفكيك الروابط الاجتماعية، فضلاً على أهمية ارتباطها الوثيق في تاريخ الأمة العربية، وما كانت تؤديه من ضوابط تربوية وأخلاقية، وإسهامها الفعال في البنية الاجتماعية.
العادات الدخيلة التي حلت بديلاً سقيماً عن القيم الراسخة الممتدة عبر قرون طويلة، أسهمت بانتزاع إرث اجتماعي ثقافي حصين من ضمائر الأجيال اللاحقة، بما يحمله ذلك الموروث من قيم اجتماعية راسخة، لها أهدافها الجليلة، وغاياتها النبيلة، فصار النشء الذي امتد أجيالاً عبر تلك العقود الأربعة بلا هوية ثقافية، وبدون ارتباط يعيده إلى الجذور المتينة، فأصبح يعيش حالة من الفراغ النفسي، لمَّا تنازعته الأهواء بين الماضي الأصيل الذي صار اسماً بلا محتوى، وبين الحاضر العتيد الذي لا يمت لوجدانه بصلة.
البعض من المفكرين، والكتاب، والمهتمين بالجانب الاجتماعي يحيلون أسباب اندثار العادات الاجتماعية التقليدية للشعوب إلى أسباب (المدنية) المدعاة، وآخرون يعيدون الأسباب إلى العصر (الصناعي) وما رافقه من ابتكارات، ويدعون القول بأن المدنية، وصولة الصناعة صرفتا الاهتمام عن بعض القيم، متناسين حلول قيم أخرى مكان تلك التي تم إقصاؤها، ومن جانبي، فلست أرى أن تلكم الذرائع تشكل سبباً للتخلي عن الأصالة، ولا أعتبرها إلا وسائل حياة، ربما تُعين أكثر مما تُضعف، ولئن
سئلت عن السبب أجبت بأنه ليس إلا مجرد التشبه بالآخرين اعتقاداً بفضل ما هم عليه، عما نحن فيه، وما ذاك إلا لضعف الانتماء لقوميتنا العربية، وقلة الولاء لأواصرنا الاجتماعية، وعدم اليقين من قبل الأبناء والأحفاد بما آلت إليه تجارب الآباء والأجداد.
من السهل أن نمتدح عادات قوم آخرين انبهاراً بلا وعي، وليس من الصعب اتباعهم في أهوائهم تقليداً بلا تفكير، ومما لا عنت فيه أن نقدح في عاداتنا وتقاليدنا، ونذمها بابتداع السلبيات التي تقلل من شأنها، لكنه من العسير، بل يكاد يكون من المستحيل المواءمة ما بين ما يوافق تلك الأمم، وما يتفق مع قيمنا التي تجافينا عنها، ولم تتبين لنا مساوئ أفعالنا إلا بعد أن تخلينا عن رواسخ تراثنا، وأهملنا منابع أصالتنا، فجَد سعينا إلى استذكار الآفل منها، وتدوين ما تحفظ الأذهان من محاسنها، ليأتي تأويل أكثرها مخالفاً لأصله، بعيداً عن فحواه، منافياً لحقيقة إنشائه، وقد كان من قبل ديدن أناس بلا تكلف، ونبراس حياة بلا بهرجة.
لعل التأسي على ما مضى يكون نافعاً إذا تجاوز الإحساس بالشجن، والتغني بالماضي، وترديد الأقوال بالأمجاد، ليتحول إلى السعي للعودة إلى القيم الاجتماعية التي ما كانت وليدة صدفة، ولا ابنة لحظة، بل جاءت بناءً يتلوه بناء، حتى وصلت من غابر الأزمان، قوية البنيان، ممكنة الأركان، تحمل بين طياتها حصافة العمل، وحصانة المجتمع، وإن بدا للبعض أنها لا تعدو أن تكون أفانين مبتدعة، تنتهي الغاية منها بانتهاء وقتها، بل يجدر أن تؤخذ بمجاميعها، وتفهم بكُلِّيتها، ليحسن فهم مغازيها، دون الانتقاص من مضامينها، أو الحط من مقاصدها، بل إنني أزيد في القول، داعياً إلى العودة إليها بكافة تفاصيلها، وإحياء ما اندثر منها، طالما لا زال بين أبناء الأمة من الأجيال المعمرة من لا يزال يكتنز الكثير منها، وعدم الاكتفاء بتدوينها كتراث شفوي، وتأريخ مجتمعي، وكلاهما، أقصد التراث والتاريخ لا ينتفع منهما ما لم يعمل بهما