السودان بلد أفريقي بحكم موقعه في القارة الأفريقية، وعربي لكونه من الدول العربية، فهو يوصف دائماً بقلب أفريقيا النابض بحكم موقعه، كما يوصف أيضاً بسلة غذاء العالم، نسبة لتعدد موارده الغذائية وثرواته الغنية المختلفة التي يزخر بها، سواء على سطح الأرض أو في باطنها. هذا بالإضافة إلى قولهم إنه معبر الثقافتين العربية والأفريقية؛ نظراً لعلاقته المتميزة التي تربطه بكليهما منذ الأزل.
ونظراً لاجتماع كل هذه العوامل وغيرها فإن السودان يشكل واقعاً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً مميزاً قائماً بذاته، فهو أشبه في ذلك بنهر النيل في علاقته بروافده المتعددة. حيث ظل السودان وما يزال يستقبل العديد من الهجرات البشرية من مختلف بقاع العالم بمختلف ثقافاتهم الحضارية، بالتالي فإنه يشكل بوتقة للانصهار والتمازج بين جميع تلك الشعوب بثقافاتها المتنوعة التي يكون الناتج عنها الثقافة السودانية والفلكلور السوداني، وهو أهم مكوناتها. فالعروبة السودانية تختلف كثيراً في مظاهرها الفلكلورية التي تتجلى فيها خلافاً للحجازية والمصرية والشمال والشرق والوسط والغرب أفريقية، كما تختلف أفريقيته كذلك عما هو أفريقي أيضاً. وهناك العديد من الشواهد التي تدل على ذلك سواء في اللهجة العربية الدارجة المتحدثة فيه أم في الثقافة المادية ممثلة في الصناعات اليدوية وأدوات الزينة والأزياء وجميع الآلات الإنتاجية والحربية والزراعية والثقافة والغذائية المتوارثة وتكنولوجيا المباني التقليدية، بدءاً من الأهرامات والمدافن والقطاطي والرواكيب والكرانك، وثقافة زينة المرأة من العطور كالدلكة والكركار والكحل ودق الشفاه والمشاط والشلوخ. وبالإضافة إلى الثقافة الاجتماعية في المناسبات المختلفة كالطبول والنحاسات، وما يتبع ذلك من أغراض تقرع من أجلها كإعلان الفرح أو الفزع أو الحرب أو عند الكسوف أو الخسوف أو إعلان النفير، وبخاصة عند بدء الزراعة أو الحصاد أو لجمع البهائم الضالة عند الرحيل، أو كما لدى بعض الجماعات بغرض ممارسة الأسبار أو جدع النار، هنالك العديد من صور ومظاهر الفلكلور السوداني، تشمل الأدب الشفاهي والعادات والتقاليد وأساليب التنشئة وفنون الأداء كالرقص والغناء والموسيقى وضروب الرياضة التقليدية كالمصارعة مثلاً وسباق الخيل والهجن، وألعاب الصبية الشعبية مثل (شليل وينو والفات فات وكعود أو جكوت أو أبو ناصورة كما تطلق عليه مسميات مختلفة في مختلف بقاع السودان والحجلة أو حرينا والناقة متين تلدى الكمبو قطع قلبي وسفرجت والسكو أو الجكجوك وأبو امحصين وغيرها الكثير) والتي تحتاج إلى شرح في موضع آخر خصوصاً أنها قد حظيت ببحوث ودراسات متعددة. أما بالنسبة للأدب الشفاهي فإن السودان يزخر بأنواع مختلفة منه كالدوبيت الذي يقال إنه يرجع في أصله للموال السوري الذي يمتاز بأسلوب المجادعة، وهناك العديد مما يعرف بالمسادير مثل مسدار الحردلو ومسدار الصيد ومسدار الخريف، إضافة إلى ما يعرف بالرباعي الذي يتكون من أربعة أبيات وهو الدوبيت الشائع وبخاصة في وسط وشمال السودان، والعرج الذي يتكون من ثلاثة أبيات وهو شائع كثيراً في غرب السودان ولدى قبيلة الشايقية في شمال السودان، هناك أيضاً شعر المناحة الذي يقال في شخص المتوفى ومدحه وذكر مدى الحزن على فقدانه، حيث توجد شاعرت اشتهرن بهذا النوع من الشعر أمثال الشاعرة الشايقية مهيرة بت عبود والشاعرة بت مسيمس شاعرة الإمام محمد أحمد المهدي والشاعرة المرغبابية، وشاعرات أغاني الدلوكة اللائي قدمن إلى السودان وسكن في مدينة كوستي وفقاً لما ذكره الكاتب الدبلوماسي رحمه الله تعالى عبد الهادي الصديق في كتابه الحزام السوداني الممتد من شرق أفريقيا وصولاً إلى غربها، وهناك النساء الحكامات اللائي يتجولن في البوادي والقرى ويقرضن الشعر، والاسم يعني أن الحكامة هي المرأة التي تحكم سلوك الرجال، فهي تنشد شعر الحماسة وتحرض الرجال على الحرب والدفاع عن القبيلة وتشكر الرجل الشجاع الكريم حامي حمى الأرض والمال والعرض، وشبيه بالحكامة يوجد الشعراء الهدايون الذين يهدون أشعارهم للرجال، وبخاصة ذوي السمعة الطيبة، ويغلب على شعرهم موضوعان هما المدح والهجاء الذي يعرف لديهم بمشكار الرجال، هذا بجانب مشكار الخيل ومشكار البنات. وهم أشبه بالشعراء الجوالة أو (القريت) في غرب أفريقيا والحبشة والمورش في المغرب العربي والبرع في اليمن وغيرها من الدول العربية، كما يوجدون أيضاً في بريطانيا وإيرلندا ومغني الإلياذة والأوديسة في يوغسلافيا، سيما أن البلدان العربية قد عرفت الشعر التكسبي منذ عهد قديم، كما هو لدى الشاعر المتنبي مع سيف الدولة وغير ذلك. ومن موضوعات الأدب الشفاهي السوداني القصص الشفاهي كالأحاجي الطويلة والقصيرة والألغاز التي تتم في فناء الحبوبة (الجدة)، حيث يجتمعون لديها مساء للاستماع لها والاستمتاع بقصصها ويتفرقون إلى بيوتهم بعد أن يكون الصغار منهم قد ناموا فيحملهم الكبار سناً على ظهورهم وأكتافهم ويضعونهم على أسرتهم، فهم بجانب إشباع رغباتهم فإنهم يعرفون الكثير من التاريخ والقضايا المهمة في حياتهم وتتسع مداركهم وينمو خيالهم وتساهم الحبوبة في تربيتهم وغرس القيم السمحة فيهم. من صور الفلكور السوداني أيضاً الأمثال السودانية الشعبية والحكم والأقوال المأثورة المستقاة من التجارب والخبرات المتوارثة، كذلك الطب البلدي أي البديل المنتشر في مختلف بقاع السودان الذي يعتمد عليه غالبية الأهالي في التطبيب للعديد من الأمراض.
على مستوى الاهتمام الأكاديمي بقضية الفولكور هنالك قسم الفلكلور في معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، والذي بدأ بوحدة أبحاث السودان بوساطة بعض الشباب من أساتذة الجامعة، منهم البروفيسور سيد حامد حريز والبروفيسور أحمد عبد الرحيم نصر والبروفيسور عبد الله على إبراهيم والموظف آنذاك المرحوم الطيب محمد الطيب وأساتذتهم الأجلاء البروفيسور يوسف فضل حسن والمرحوم البروفيسور عون الشريف قاسم والمرحوم البروفيسور محمد عمر بشير وآخرون. ويعد هذا المعهد الوحيد في العالم الذي يقوم بتدريس علم الفلكلور على مستوى الدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه. هنالك بعض النشاطات المصاحبة الداعمة لقضية الفلكلور السوداني، فهنالك منتدى أسبوعي للفولكلور، وتم إصدار أربعين كتاباً بجهود التراث الشعبي السوداني، وأقيمت العديد من المؤتمرات وورش العمل المتخصصة في هذا المجال.. كل ذلك في إطار جمعه وحفظه ودراسته.
وبحكم التباين الأيكولوجي وما يحدثه من اختلاف وتعدد في حركة الناس ونشاطاتهم فقد تباينت بيئاتهم الثقافية الفلكلورية، مما جعل الثقافة السودانية توصف بالتعددية وتتسم بالوحدة. وبحكم العوامل والمظاهر المشتركة بين السودانيين فالوحدة تكمن في جوهر الفلكلور السوداني والتباين بينهم في المظاهر التي يتجلى فيها، فالجوهر ثابت والمظهر هو المتحرك.