مفاهيم منوّعة - المنظمة الدولية المجلس الاجتماعي | مفاهيم منوّعة - المنظمة الدولية
تاريخ النشر: 23-05-2022

بقلم: الدكتور محمد عزيز شكري

أولاً ـ التعريف بالمنظمة الدولية:
يبتعد عدد لا يستهان به من كتاب التنظيم الدولي عن تقديم تعريف دقيق للمنظمة الدولية محتجين بصعوبة التعميم في هذه المادة نظراً لطبيعتها الخاصة ولاستمرار التطور في بنيان المنظمات الدولية، ومن هؤلاء الأساتذة روسو ولينار وغودسبيد. ومع ذلك من الملائم اعتماد بيان يوضح العناصر الأساسية اللازمة لوجود المنظمة الدولية International Organization فهي: "مؤسسة دائمة ذات إرادة ذاتية وشخصية قانونية دولية مستقلة تنشئها مجموعة من الدول بقصد تحقيق أهداف مشتركة يحددها ويبين كيفية الوصول إليها الاتفاق المنشئ للمنظمة".
وهكذا لا بد لعدّ مؤسسة ما منظمة دولية بالمعنى الدقيق للتعبير من توافر العناصر التالية:
- الديمومة والاستمرار.
- الإرادة الذاتية والشخصية المستقلة.
- الصفة الدولية.
- الصفة الاتفاقية.
أ ـ عنصر الديمومة والاستمرار:
لا تعد مؤسسة ما منظمة دولية إلا إذا كانت دائمة ومستمرة. وليس المقصود هنا الديمومة المطلقة وإنما استمرار المنظمة ما دام ميثاقها المنشئ نافذاً، فذلك ما يميزها من (المؤتمر الدولي) الذي هو من الناحية التاريخية خطوة أولى نحو التنظيم الدولي، لكنه ذو طبيعة عارضة وكيان مؤقت.
وكذلك فعنصر الديمومة في المنظمة الدولية لا يعني أن تعمل كل أجهزتها بصفة دائمة ما دامت المنظمة كلها، تمارس اختصاصاتها بصفة مستمرة، وبالتالي فليس ما يمنع المنظمة أن تستبدل بأحد أجهزتها جهازاً جديداً أو أن توقف لسبب ما جهازاً أو أكثر عن العمل فترة مؤقتة، العبرة هي في بقاء المنظمة الدولية قائمة على المصالح المشتركة التي أنشئت ـ بوصفها كياناً مستقلاًـ لتحقيقها. مثال ذلك بقاء منظمة الأمم المتحدة واستمرارها رغم توقف مجلس الوصاية عن العمل لانتهاء نظام الوصاية باستقلال بالاو Palau عام 1994م.
ب ـ عنصر الإرادة الذاتية والشخصية المستقلة:
لا بد لوجود المنظمة الدولية من أن يكون لها شخصية مستقلة تمكنها من ممارسة إرادة ذاتية خاصة بها لا تتبع إرادة الدول المكونة لها. هذا العنصر الذي يعدّه الأستاذ روتير أهم العناصر المكونة للمنظمة الدولية إطلاقاً هو ما يميز المنظمة الدولية من المؤتمر الدولي الذي يحقق أغراضه بإبرام مجموعة من الاتفاقات تستمد قوتها الملزمة من إرادة الدول الأعضاء، وبالتالي لا يتمتع بأي إرادة ذاتية ولا يعدّ بإجماع الفقهاء شخصاً من أشخاص القانون الدولي.
ولا تكون إرادة المنظمة صحيحة إلا إذا اتبعت في إظهارها القواعد الواردة في دستورها، ومارستها المنظمة في حدود الاختصاصات التي نص عليها هذا الدستور.
وإذا كانت إرادة المنظمة الدولية تعبر في النهاية عن إرادات الدول الأطراف فيها فإن خصوصية هذه الإرادة تتجلى عند اتخاذ القرارات بالأغلبية، ففي هذه الحالة تلتزم كل الدول الأعضاء في المنظمة بالقرار سواء وافقت عليه أم عارضت إصداره، وكذلك فإن آثار تصرفات المنظمة الدولية تنصرف إلى المنظمة نفسها بعدّها شخصاً دولياً مستقلاً ولا تنصرف إلى الدول المشكلة لها كل على حدة.
ويرى الأستاذ روتير أن المنظمة الدولية تتمتع بالإرادة الذاتية المستقلة حتى في الحالات التي لا يتعدى اختصاصها فيها جمع المعلومات وتبادلها بين الدول الأعضاء؛ إذ تظهر الإرادة الذاتية في مثل هذه الحالات في كل الأعمال الإدارية اللازمة لأداء المنظمة لنشاطها.
ج ـ الصفة الدولية Governmental Character:
ينبغي من حيث المبدأ أن يكون أعضاء المنظمة الدولية دولاً بالمعنى المعروف في القانون الدولي. ولعل هذا هو السبب الذي حمل بعضهم على إطلاق عبارة المنظمات الدولية الحكومية على هذه المنظمات Inter-Governmental organization تمييزاً لها من المنظمات الدولية غير الحكومية أو الخاصة Non- governmental organization (NGO) التي تنشأ من طريق اتفاقات تعقد بين جماعات أو هيئات خاصة تنتمي إلى جنسيات مختلفة كجمعية الصليب الأحمر الدولية والاتحادات العلمية الدولية والاتحاد الدولي للنقابات…إلخ.
ولا تدخل النشاطات الدولية غير الحكومية أو الخاصة في هذا البحث لكونها تخضع للأنظمة الداخلية لدولة أو دول معنية، لكن المناسب أن يشار إلى وجود نوع من التعاون بينها وبين المنظمات الدولية الحكومية. وقد نظم ميثاق الأمم المتحدة في مادته الحادية والسبعين هذا التعاون، إذ تنص هذه المادة على أنه يجوز للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يتخذ التدابير اللازمة لاستشارة المنظمات الدولية غير الحكومية في المسائل التي تدخل في حدود اختصاصه. كما أثبتت التجارب الدور الكبير الذي تقوم به المنظمات الدولية غير الحكومية في الضغط على الحكومات لتحقيق ما قامت المنظمات من أجل تحقيقه مثل منظمة العفو الدولية، ومنظمة الرقابة على احترام حقوق الإنسان Human Rights Watch وسواها.
كما أنه ظهر في عرف المنظمات الدولية المختصصة تعاون وثيق يربط بينها وبين المنظمات غير الحكومية كالتعاون بين منظمة الطيران المدني الدولية (I.C.A.O) وبين اتحاد شركات الطيران IATA مثلاً. ويمكن كذلك اتفاق منظمتين أو أكثر على إنشاء منظمة جديدة، مثال ذلك المركز الدولي لدراسة الأراضي الجافة ICARDA الذي هو منظمة أنشأتها منظمات متخصصة بالزراعة والتمويل الزراعي.
ومع هذا فالعضوية في المنظمات الدولية العامة ـ التي هي أصلاً من حق الدول ـ تسمح بأن تنضم إليها بعض الجماعات الإقليمية التي لا تعد دولاً بالمعنى الدقيق للتعريف، مثال ذلك منظمة الصحة العالمية، والاتحاد الدولي للموصلات اللاسلكية، واتحاد البريد العالمي…إلخ فهذه المنظمات تسمح لبعض المقاطعات أو الأقاليم غير المتمعتة بالحكم الذاتي بالانضمام إليها على اعتبار أن هذه الأقاليم تتمتع بقدر واسع من اللامركزية، ولها مصالح قد تستدعي تمثيلها في المنظمة تمثيلاً مستقلاً عن دولة الأصل.
كما أجاز مجلس أوربا عضوية الدول والبلاد؛ مما مكن أقليم السار عندما كان يتمتع بوضع دولي خاص من الانضمام إليه.
كذلك فإن بعض المنظمات تسمح لمندوبي بعض الفئات الاجتماعية المعنية بحضور اجتماعاتها جنباً إلى جنب مع مندوبي الحكومات. فمنظمة العمل الدولية مثلاً تجمع في مؤتمراتها بين مندوبي الحكومات ومندوبي العمال وأرباب العمل.
د ـ الصفة الاتفاقية Contractual Character:
إن المنظمة الدولية مؤسسة بين دول ذات سيادة، ومبدأ السيادة ـ وهو مهما قيل فيه أحد ركائز التنظيم الدولي المعاصرـ يقضي بألا تعلو على سلطة الدولة أي سلطة دنيوية أخرى إلا بإرادتها، لذلك المنظمة الدولية إنما تنشأ بالاتفاق الحر للدول الأعضاء فيها وذلك بموجب وثيقة تأسيسية هي في جوهرها معاهدة دولية تخضع لما تخضع له المعاهدات في ظل القانون الدولي.
قد يسمى بعضهم الوثيقة التأسيسية ميثاقاً Charter أو دستوراً Constitution أو عهداً Covenant أو نظاماً أساسياً Statute أو صكاً Pact فذلك لا يهم في كثير أو قليل، ما يهم هو أن تبين وثيقة التأسيس أهداف المنظمة واختصاصاتها والأجهزة المختلفة المنوط بها تحقيق هذه الأهداف والقواعد التي تحكم سير العمل بها.
ثم إن كون المنظمة الدولية وليدة الاتفاق بين الدول ووسيلة للتعاون المنظم بينها يجعل من المنظمة الدولية رابطة بين الدول وليس تنظيماً فوقها، وبالتالي فإن اختصاص المنظمة محدد بالضرورة ولا يجوز من حيث المبدأ التوسع في تفسيره أو الخروج عن مداه المحدد سلفاً.
ثانياً ـ الشخصية القانونية للمنظمات الدولية وآثارها:
لم يتم الاعتراف بالشخصية القانونية للمنظمات الدولية إلا بعد مناقشات فقهية طويلة، فقد أنكر الفقهاء المتقدمون شخصية المنظمات الدولية وأصروا على أن الدول هي وحدها أشخاص القانون الدولي، أما المنظمات الدولية فإنها في نظرهم مجرد علاقة قانونية دولية وليست أشخاصاً قانونية دولية.
غير أنه منذ نهاية القرن التاسع عشر بدأ بعض الفقهاء يعترفون بأن هناك جماعات وهيئات غير الدول تتمتع بالشخصية القانونية الدولية وتخضع للقانون الدولي العام، فقد بيّن هؤلاء الفقهاء أن فكرة الدولة وفكرة الشخصية الدولية منفصلتان، واعترفوا بشخصية المنظمات الدولية التي تباشر اختصاصاً ذاتياً، وذكروا أنه من المستحيل إنكار أن الدول تستطيع من دون أن تفقد سيادتها أن تتنازل عن بعض حقوقها لهيئات تقيمها باختيارها مانحة إياها بذلك الشخصية الدولية، وقرروا كذلك أن الأشخاص الدولية نوعان: أشخاص عادية هي الدول، وأشخاص اصطناعية أو اعتبارية هي كل الوحدات الدولية التي تتولد من إرادة الدول. وهكذا فسلطان القانون الدولي في نظرهم لا يقتصر على علاقات الدول فيما بينها بل يمتد أيضاً إلى العلاقات مع المنظمات الدولية أو بين هذه الأخيرة.
يخلص مما تقدم أن التطور الجديد في القانون الدولي العام يميل إلى تأكيد شخصية المنظمة الدولية كعصبة الأمم في الماضي والأمم المتحدة حالياً، والمنظمات الإقليمية كالجامعة العربية ومنظمة الدول الأمريكية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوربي، والوكالات المتخصصة العالمية كمنظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة الصحة العالمية وغيرها.
وقد تبدى هذا الاعتراف بشخصية المنظمة الدولية صراحة في ميثاق الأمم المتحدة وفي رأي استشاري صادر عن محكمة العدل الدولية في القضية المعروفة بقضية التعويضات عن الأضرار الناجمة عن الخدمة في الأمم المتحدة (قضية الكونت برنادوت).
فقد جاءت المادة (104) من ميثاق الأمم المتحدة على أن تتمتع المنظمة في أراضي كل أعضائها بالأهلية القانونية الضرورية لممارسة وظائفها ولتحقيق أهدافها، وكذلك يتمتع أعضاء الأمم المتحدة وموظفوها بالامتيازات والحصانات الضرورية لكي يمارسوا باستقلال وظائفهم بالنسبة للمنظمة. وبناء على التفويض الوارد في الفقرة الثالثة من هذه المادة عقدت الأمم المتحدة اتفاقية بشأن مزايا الأمم المتحدة وحصاناتها. وقد وافقت عليها الدول الأعضاء تباعاً. وتنص المادة الأولى من الاتفاقية على أن تتمتع الأمم المتحدة (بشخصية قانونية) Legal personality تستمد منها حقوق التعاقد وشراء وبيع العقارات والمنقولات والتقاضي، كما فصلت الاتفاقية في قضية الحصانات التي تتمتع بها الأمم المتحدة وموظفوها في أراضي الدول الأعضاء.
وقد جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في قضية الكونت برنادوت مصداقاً لما أوردته المادة (104) السابق الإشارة إليها، فقد اجتهدت المحكمة بما يلي حول قدرة الأمم المتحدة على تحريك دعوى ضد حكومة دولة ارتكبت جرماً بحق موظفي المنظمة:
"إن المنظمة هي شخص دولي، لكن هذا لا يعنى أنها دولة، فهي ليست كذلك بالطبع، أو أن شخصيتها القانونية وحقوقها وواجباتها هي ذاتها الشخصية القانونية والحقوق والواجبات التي للدول. وليست هي كذلك كياناً فوق الدول ـ مهما كان التعبير المقصود هنا ـ بل إنها شخص من أشخاص القانون الدولي قادرة على حيازة حقوق وتحمل التزامات وأن لها المحافظة على حقوقها بإقامة الدعاوى".
وما قيل عن الشخصية القانونية للأمم المتحدة يمكن أن يقال عن الوكالات المتخصصة المرتبطة بها، وعن المنظمات الإقليمية والقارية بالنسبة إلى الدول الأعضاء فيها.
ومن غير الجائز بحسب الأصل الاحتجاج بالشخصية القانونية للمنظمة الدولية في مواجهة الدول غير الأعضاء أو المنظمات الدولية الأخرى ما لم تعترف هذه الدول أو المنظمات بثبوت الشخصية القانونية للمنظمة. ويحصل ذلك صراحة أو ضمناً بقبول الدخول مع المنظمة في علاقات دولية.
غير أن بعضهم يرى أنه استناداً إلى رأي محكمة العدل الدولية المشار إليه يمكن استثناء الأمم المتحدة تحديداً من هذا القيد والقول إن شخصيتها الدولية موضوعية يجوز الاحتجاج بها في مواجهة الجميع سواء أكانوا أعضاء فيها أم لا، والعلة في نظرهم لذلك طبيعة أهداف هذه المنظمة العالمية وعدد الدول المشتركة فيها (192 حتى عام 2010).
كما أن بعض الباحثين يرون أن الوكالات المتخصصة العالمية المرتبطة بالأمم المتحدة تعامل المعاملة ذاتها فتسري شخصيتها القانونية في مواجهة الدول كافة. لكن هذا الاتجاه جدلي للغاية لأن مناط شخصية المنظمة هو ميثاقها المنشئ، وهو بوصفه معاهدة دولية لا يلزم الغير من حيث المبدأ.
يمكن أن تتلمس آثار تمتع المنظمة الدولية بالشخصية القانونية في ثلاثة مجالات:
- صلاتها بأشخاص القانون الدولي.
- صلاتها بدولة ما.
- بنيانها الدخلي بوصفها مؤسسة.
أ ـ ففي صلاتها بأشخاص القانون الدولي الأخرى يمكن للمنظمة في الحدود التي يقتضيها تحقيق أهدافها أن تشترك في تكوين العرف الدولي وإبرام المعاهدات مع الدول الأعضاء أو غير الأعضاء فيها أو مع المنظمات الدولية، كما يمكنها قبول التحكيم الدولي…إلخ. ويجوز للمنظمة الدولية أن تدخل في علاقات مع الدول ومع المنظمات الدولية الأخرى بالقدر الذي يسمح به ميثاقها، وهي تملك الحق في تحريك الدعاوى الرامية إلى حفظ حقوقها وحقوق العاملين فيها. وتتمتع المنظمة وممثلو الدول الأعضاء فيها وموظفوها بحصانات وامتيازات تنظم في اتفاقيات تبرمها مع دولة المقر أو الدول الأعضاء فيها. كما أن من الممكن أن يتولد عن ممارسة المنظمة لنشاطها أضرار تصيب الغير الذي يحق له مساءلتها لذلك. وحين تفرض أهداف المنظمة تدخلها المسلح لفض نزاع دولي معين تخضع بذلك القواعد الدولية الناظمة للنزاعات المسلحة والقانون الدولي الإنساني الناظم لها.
ب ـ وفي صلاتها بدولة ما يمكن للمنظمة أن تتعاقد مع هذه الدولة في ظل قانونها الداخلي لشراء ما يلزمها من أدوات وتجهيزات، أو لاستئجار المباني والعقارات التي تشغلها، أو لنقل منقولاتها وموظفيها.
ج ـ وتظهر شخصية المنظمة الدولية بأجلى معانيها في مجال بنيانها الداخلي بوصفها مؤسسة قانونية، فلها أن تنظم على النحو الذي تراه مناسباً المركز القانوني لموظفيها، وأن تصدر في سبيل ذلك ما ترى إصداره من قرارات تنظيمية أو فردية.
ثالثاً ـ أنواع المنظمات الدولية:
نظراً لانتشار المنظمات الدولية وتزايد عددها واتساع مجال عملها وما رافق ذلك من تفاوت وتنوع في أهدافها وطبيعة أنظمتها يحاول الفقه تصنيفها في أنواع يشترك كل منها في خصائص أو معالم واضحة ومحددة، ولعل من الواجب التذكير أن هذه التصنيفات أكاديمية بحتة ولا تقدم أو تؤخر في حقيقة المنظمات أو طبيعتها بل إنها لمجرد التسهيل على الدارس.
وقد تعددت التصنيفات بقدر الزوايا التي يمكن أن ينظر من خلالها إلى المنظمة الدولية، وفيما يلي موجز لأهم هذه التقسيمات:
أ ـ من حيث أهدافها ومقاصدها: يمكن تصنيف المنظمات بموجب هذا المعيار في منظمات عامة ومنظمات متخصصة. فإذا كانت أهداف المنظمة متعددة شاملة لمعظم أوجه التعاون الدولي فهي منظمة عامة General organization، مثال ذلك عصبة الأمم والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة الدول الأمريكية.
وإن قصرت المنظمة نشاطها على مجال واحد من مجالات التعاون الدولي فهي متخصصة Specialized organization، والمنظمات الدولية المتخصصة كثيرة ويمكن أن تقسم بدورها إلى فئات بحسب طبيعة الهدف الذي تسعى وراءه:
1ـ فهناك منظمات دولية اقتصادية وهي تضم كل منظمة تسعى إلى تحقيق التعاون الاقتصادي بين أعضائها بغض النظر عن حدود عملها، مثال ذلك المصرف الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي والهيئة الأوربية المشتركة للفحم والفولاذ والسوق الأوربية المشتركة حالياً الجماعة الأوربية.
2ـ وهناك منظمات دولية علمية تضم كل منظمة تهدف إلى تحقيق التعاون العلمي بين أعضائها بغض النظر عن حدود عملها الجغرافية، مثال ذلك المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
3ـ وثمة منظمات دولية اجتماعية إنسانية وتصنف في عدادها كل منظمة دولية تهدف إلى تحقيق التعاون بين أعضائها في مجال اجتماعي أو إنساني أو صحي أو ما شابه ذلك، كمنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة الدولية واليونسكو.
4ـ وهناك منظمات دولية للمواصلات كمنظمة الطيران المدني واتحاد البريد العالمي والاتحاد الدولي للمواصلات السلكية…إلخ.
ب ـ من حيث العضوية: يمكن تصنيف المنظمات الدولية بموجب معيار العضوية فيها إلى منظمات عالمية Universal ومنظمات إقليمية Regional، أما المنظمات العالمية كهيئة الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة المتصلة بها فهي المنظمات التي تكون عضويتها مفتوحة لأي دولة من دول العالم ما دامت تتوافر فيها الشروط التي يتطلبها ميثاق المنظمة. وهذه الشروط تتفاوت بين مجرد إبداء رأي الدولة لرغبتها (كما كان بالنسبة لعضوية الاتحاد العالمي للبريد حتى سنة 1947)، وبين تحقق شروط تتصل بقدرة الدولة المنضمة على تنفيذ الالتزامات التي ينص عليها ميثاق المنظمة. بل قد يترك الأمر لاعتبارات سياسية بحتة كما هي الحال في الأمم المتحدة التي يؤدي مجلس الأمن والجمعية العامة فيها سلطة تنسيبية واسعة كثيراً ما خرجت عن روح الميثاق ونصوصه.
وأما المنظمات الإقليمية فهي تلك التي تحصر العضوية فيها بعدد من الدول لاعتبارات جغرافية أو حضارية أو سياسية معينة، كمنظمة الدول الأمريكية وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوربي بعد معاهدة ماسترخت.
ج ـ من حيث السلطات التي تمارسها: يمكن تصنيف المنظمات الدولية بموجب هذا المعيار إلى منظمات قضائية وأخرى إدارية وثالثة ذات نشاط شبه تشريعي ورابعة عامة. ويرى الأستاذ شوارزنبرغر وهو من رواد هذا التصنيف الطريف أن الفئة الأولى في هذا التصنيف وهي المنظمات القانونية تختص بالفصل في المنازعات الدولية القضائية، مثل المحكمة الدائمة للعدل الدولي ومحكمة العدل الدولية وحالياً المحكمة الجنائية الدولية، أما الفئة الثانية فتضم تلك المنظمات التي ينصرف نشاطها إلى إدارة مرفق دولي عام معين كاتحاد البريد العالمي واتحاد المواصلات السلكية…إلخ، وأما الفئة الثالثة فتضم المنظمات التي تسعى إلى توحيد القواعد القانونية المتبعة في شأن علاقة دولية معينة كمنظمة العمل الدولي ومنظمة الطيران المدني…إلخ.
وأما المنظمات الدولية العامة فهي التي تتولى تنظيم جميع أوجه العلاقات الدولية من سياسية واقتصادية واجتماعية في تجمع بين كل السلطات كما هو الحال بالنسبة إلى الأمم المتحدة. والواقع أن تطبيق هذا التصنيف على النحو الذي ارتآه شوارزنبرغر يصطدم بصعوبات جمة؛ فأغلب المنظمات تجمع في نشاطها الواقعي بين أكثر من اختصاص من الاختصاصات القضائية والتنفيذية والتشريعية معاً؛ مثل ذلك الهيئات الأوربية المشتركة، كما أنه يصعب أحياناً تكييف ما تقوم به المنظمة من نشاط على نحو دقيق.
كل ذلك حمل بعض الكتّاب على استخدام هذا المعيار في التصنيف استخداماً آخر، فهم يصنفون المنظمة الدولية بمعيار سلطاتها إلى منظمات تملك سلطات قوية تمكنها من فرض إرادتها على الدول الأعضاء كالسلطة التنظيمية الممنوحة لمنظمة الطيران الدولية وقرارات السلطة العليا للجماعة الأوربية ومجلس الأمن في نطاق تطبيق الفصل السابع من الميثاق (منظمات فوقمية) supranational، ومنظمات لا تملك من السلطات ما يمكنّها من القيام بأكثر من تنسيق نشاطات أعضائها والتوفيق بين اتجاهاتها وتوحيد طريقتها في العمل عن طريق توصيات واقتراحات لها إلزام أدبي لا أكثر، وتلك حال معظم المنظمات الدولية المعاصرة (منظمات بينمية) interstate. (والمصطلحان منحوتان للدلالة على ما يقابلهما بالإنكليزية).
رابعاً ـ مصادر القواعد القانونية الناظمة للمنظمات الدولية:
لا جدل أن التنظيم الدولي في الوقت الحاضر يخضع لمجموعة قواعد قانونية تحكم نشأة المنظمات الدولية واختصاصاتها وسير العمل بها. فما مصادر هذه القواعد التي يشكل مجموعها ما أصبح يعرف بقانون المنظمات الدولية؟
يرى بعضهم أن قانون المنظمات الدولية هو من المرونة وسرعة التطور بحيث يعسر على الباحث تحديد قواعده ومحاولة ردها إلى مصادرها الأولى. والحقيقة أن مقدمة هذه الفرضية صحيحة بخلاف نتائجها.
أ ـ فمما لا شك فيه أن المصدر الأساسي لقانون المنظمات الدولية هو الاتفاقية المنشئة لها، وبالتالي فإن من الواجب الرجوع إليها لتحديد نطاق اختصاص المنظمة وكيفية توزيع هذا الاختصاص بين أجهزتها والعلاقة بين هذه الأجهزة، ولمعرفة القواعد التي تحكم نشاط المنظمة وعلاقاتها بالدول الأعضاء وغير الأعضاء والمنظمات الأخرى.
والرجوع إلى الاتفاقية المنشئة للمنظمة الدولية يقتضي تفسيرها وتحديد معانيها والمراد منها، فكيف يتم التفسير ومن يقوم به؟
1ـ من رأي غالبية الفقهاء أن يخضع تفسير المعاهدة المنشئة لمنظمة دولية للقواعد العامة في تفسير المعاهدات مع مراعاة الطبيعة الخاصة لهذه المعاهدة. وتقضي هذه القواعد بأن تفسر المعاهدات بحسن نية وطبقاً للمعنى العادي لألفاظ المعاهدة ضمن السياق الخاص بها وفي ضوء موضوع المعاهدة والغرض منها، ولا يعطي معنى خاصاً للفظ معيّن إلا إذا ثبت أن نيّة الأطراف قد اتجهت إلى ذلك. ولا يرجع إلى الأعمال التحضيرية Travaux préparatoires للمعاهدة إلا لتوضيح المعنى أو إذا أدى أدت إلى نتيجة غير معقولة أو واضحة الخلل.
أما بالنسبة إلى المعاهدات المنشئة لمنظمة دولية فلا شيء يمنع من تطبيق المبادئ العامة السابقة مع مراعاة عدم الرجوع إلى الأعمال التحضيرية إلا في أضيق الحدود وبمنتهى الحذر؛ لأن طبيعة المنظمات الدولية وسرعة تطورها تفقد الأعمال التحضيرية قيمتها التفسيرية في كثير من الأحوال وتخرج بالنصوص عن الصورة التي كانت في أذهان واضعيها وقت أن اتفقوا عليها إلى صورة أخرى قوامها ما جرى عليه العرف وأقره العمل.
ثم إن من الواجب ملاحظة طبيعة المعاهدة The nature of the treaty المنشئة لمنظمة دولية من حيث إنها تقيد من حرية الدول الأعضاء في ممارسة سيادتها، ومن ثم درج الفقه على تفسير النصوص المحددة لنطاق اختصاص المنظمة في مواجهة أعضائها تفسيراً ضيقاً Restrictive interpretation طبقاً للمبدأ العام في تفسير المعاهدات القائل بأن كل قيد اتفاقي يرد على سيادة الدولة لا يجوز التوسع في تفسيره ويجب فهمه في أضيق الحدود، وذلك اجتهاد استقرت عليه المحكمة الدائمة للعدل الدولي خلال حياتها.
لكن الفقه والاجتهاد بدأا منذ عام 1945 يعدلان عن هذه القاعدة وأصبحا ميالين إلى الأخذ بتفسير نصوص المواثيق تفسيراً أوسع نسبياً بعد أن كشفت مقتضيات العمل الدولي عن أوجه جديدة لنشاط المنظمات لم تكن تخطر ببال واضعي مواثيق إنشائها واستعان القانون الدولي ممثلاً بمحكمة العدل الدولية الحالية بالمبدأ الذي يقضي بضرورة إعمال النصوص Principe de l’effet utile، ومفاده أنه إذا كانت الألفاظ التي استعملت تنطوي على غموض في معانيها أو تناقض في دلالاتها أو أدى إعمالها إلى ظهور ثغرات وترتب على ذلك كله احتمال تفسيرات مختلفة يؤدي بعضها إلى إعمال النص وبعضها إلى إهماله أو جعله من دون معنى فإن من واجب المفسر أن يفضل التفسيرات الأولى وذلك لأنه من غير المعقول ألا تكون الأطراف المتعاقدة قد قصدت شيئاً ما عندما وضعت النص محل الخلاف. وانطلاقاً من هذا الفهم لتفسير المعاهدات المنشئة للمنظمة الدولية يؤيد الرأي الغالب اليوم الربط بين اختصاصات المنظمة وبين الأهداف والوظائف الواردة في ميثاقها ويصل إلى إعطائها الاختصاصات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف ـ ولو لم يرد فيها نصـ مقترحاً أن الدول الأعضاء قد اتفقت ضمنياً على مباشرة المنظمة الاختصاصات الضرورية لأداء هذه الوظائف والأهداف (ما يسميه بعض الكتّاب العرب الاختصاصات الضمنية)، لكن هذا التفسير الذي يتراءى واسعاً لأول وهلة مقيد باجتهاد مستقر آخر مفاده أن على المنظمات الدولية ألا تمارس اختصاصاتها إلا بالقدر اللازم لأداء وظائفها ما يمنع عليها مباشرة هذه الاختصاصات بطريقة تحكمية أو على نحو يحلها من التزاماتها مباشرة اختصاصها في مسائل معينة.
2ـ ولكن من يتولى تفسير المعاهدات المنشئة للمنظمة الدولية؟ قلما تحدد المعاهدة المنشئة للمنظمة الدولية مرجعاً مختصاً بتفسير أحكامها مما يثير جدلاً حول هذه النقطة. فيرى بعضهم أن الدول أعضاء المنظمة هي جهة الاختصاص الوحيدة، ويرى آخرون أن يكون لكل هيئة من هيئات المنظمة الحق بتفسير أحكام المنظمة المنشئة لها كل في حدود اختصاصها، في حين يقصر قسم ثالث حق التفسير على الجهاز الأعلى للمنظمة، ويرى فريق رابع من المناسب اللجوء إلى القضاء الدولي ويحاولون العثور على الوسائل الفنية التي تتيح للمنظمة الالتجاء إلى القضاء الدولي كلما أعوزتها الحاجة إلى تفسير أحكام المعاهدة التي أنشأتها.
إن ميثاق الأمم المتحدة لا يبحث في اختصاص تفسيره صراحة ـ مما قد يحمل على القول إن ذلك متروك للدول الأعضاءـ لكنه يتضمن مادتين لهما أهمية خاصة في هذا المجال. فالمادة (96) منه تنص على أنه لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يطلب من محكمة العدل الدولية إفتاءه في أي مسألة قانونية، كما يحق لسائر فروع المنظمة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها ممن تأذن لها بذلك الجمعية العامة أن تستفتي المحكمة فيما يعرض لها من مسائل قانونية. وهذا النص يتضمن حق هذه الهيئات والوكالات في سؤال المحكمة تفسير نصوص دساتيرها، وفعلاً فقد طلب من محكمة العدل الدولية بموجب هذا النص إصدار مجموعة من الآراء التي تتعلق بتفسير نصوص الميثاق. وكذلك فإن نص المادة العاشرة ينص على حق الجمعية العامة للأمم المتحدة في مناقشة أي مسألة أو أمر يدخل في نطاق هذا الميثاق أو يتصل بسلطات فرع من الفروع المنصوص عليها فيه. ولا شك أن هذا النص يسمح للجمعية العامة أن تتعرض لتفسير الميثاق وهذا ما جرى عليه عرف الجمعية العامة فعلاً في مناقشاتها المتعلقة بتفسير عدد من مواد الميثاق ومنها المادة 2 فقرة 7، ونصوص الفصل المتعلق بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي…إلخ.
ب ـ إذا كانت المعاهدة المنشئة لمنظمة ما هي المصدر الرئيسي للقواعد القانونية الحاكمة لها فإنها ليست المصدر الوحيد، بل توجد بجانبها مصادر أخرى ثلاثة تتفاوت في أهميتها العملية بحسب طبيعة المنظمة وظروفها. وأهم هذه المصادر الأخرى العرف، والمقصود بالعرف بوصفه مصدراً لقانون المنظمة الدولية هو العرف الدولي بمعناه التقليدي كما يقصد به أيضاً عرف المنظمة الدولية، أي مجموعة القواعد غير المكتوبة التي يتواتر العمل بها داخل إطار المنظمة على وجه الإلزام. ولكن نظراً لحداثة عهد المنظمة الدولية في مجال العلاقات الدولية فإن عرف المنظمة بوصفه مصدراً للقانون الذي يحكمها ما زال مصدراً متواضع الأهمية ولا أدل على ذلك من أن عدداً غير كبير من الفقهاء أعاره اهتمامه وبإيجاز شديد. غير أن هذه الأهمية ستزداد بلا شك كلما طال عمر المنظمة وكثرت نشاطاتها وتعددت تجاربها؛ لأن المرونة التي يتصف بها هذا المصدر تجعله خير دواء لمعالجة جمود النصوص المكتوبة في المواثيق الدولية. من أهم الأمثلة على القواعد القانونية المستندة في وجودها إلى عرف المنظمة الدولية ما استقر عليه تعامل مجلس الأمن بصدد الاستنكاف عند صدور قرار يشترط صدوره بإجماع الدول الدائمة عملاً بالمادة 27/3 من الميثاق إذ عدّ المستنكف غائباً وبالتالي لا أثر له في ضرورة الإجماع.
ج ـ ويرى الفقهاء اعتبار المبادئ العامة للقانون مصدراً للقواعد القانونية الحاكمة للمنظمة الدولية، والمقصود بها مبادئ القانون المتفق عليها في القوانين الداخلية لجماعة الدول أعضاء المنظمة. ولعل أهمية هذا المصدر تتبدى بأجلى معانيها في مجال صلات المنظمة بموظفيها، فكثيراً ما تطبق المبادئ العامة المتفق عليها في القوانين الإدارية ذات العلاقة للدول الأعضاء في حال سكوت النظم الداخلية للمنظمة.
د ـ لا تزال القيمة القانونية لقرارات المنظمة الدولية بالنسبة إلى الدول الأعضاء محل جدل فقهي واسع، لكن المسلم به أنها مصدر أساسي من مصادر القانون الداخلي للمنظمة ذاتها، فلكل هيئة فيها أن تحدد نظامها الداخلي وقواعد إجراءاتها، وللهيئة أيضاً أن تنشئ ما تحتاج إليه من لجان وأجهزة فرعية ذات كيان تابع أو متميز وفي وضع النظام القانوني الخاص بهذه الأجهزة الفرعية.
خامساً ـ البنيان الداخلي للمنظمة الدولية (فروعها):
من استعراض التطور التاريخي للتنظيم الدولي تبين أن المنظمة الدولية في صورتها البدائية كانت تقوم أساساً على جهاز سياسي واحد تشترك في عضويته على قدم المساواة كل الدول الأعضاء، يختص بالنظر في كل ما يدخل في دائرة نشاط المنظمة من أمور، وكان ذلك أمراً اقتضته طبيعة الأشياء في عهد اقتصر فيه التنظيم الدولي على مجموعة معينة من الدول المتكافئة وانحصر اختصاصه في مواضيع محددة سياسية بالدرجة الأولى (المؤتمرات الأوربية مثلاً).
غير أن الوضع الحالي للمنظمة الدولية هو بخلاف ذلك، فالتنظيم الدولي اليوم يضم دولاً شتى تتفاوت أهمية ومكانة، وهو يهتم بأمور عدة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم والقضايا الإنسانية، ومن ثم كان لا بد للمنظمة الدولية أن تتجه تدريجياً نحو تعدد الأجهزة مراعاة لاعتبارات التخصص من جهة وأخذاً باعتبارات التوازن الواقعي بين الدول الأعضاء من جهة أخرى.
وقد بدأ الفقه يستقر على قواعد تحكم فروع المنظمات الدولية وتمثيل الدول، ويمكن إيجازها فيما يلي:
أ ـ إذا كان أحد فروع المنظمة الدولية محدود العدد فيراعى في اختيار أعضائه اعتباران رئيسيان:
1ـ التوزيع الجغرافي الكفيل بتمثيل كل مناطق العالم البارزة أو مدنياته الأساسية.
2ـ قدرة الدول الأعضاء على المساهمة في تحقيق مقاصد المنظمة من خلال الصلاحيات الممنوحة للفرع. ففي عضوية مجلس الأمن يراعى مثلاً مدى قدرة الدول على حفظ الأمن الدولي، وفي مجلس الوصاية كان يراعى مدى مساهمة الدول في مجال تطور الأقاليم التي وضعت تحت الوصاية، وفي صندوق النقد الدولي تراعى الدول صاحبة أكبر الحصص في الصندوق بحيث يكون لها على الدوام تمثيل في اللجنة التنفيذية.
ب ـ أما الفرع المفتوح لعضوية كل الدول الأعضاء فيعطى اختصاصات أوسع من اختصاصات الفروع المحدودة العدد، فالجمعية العامة للأمم المتحدة مثلاً تختص ببحث كل ما جاء الميثاق به من وسائل، وإليها ترد تقارير كل الفروع المحصورة العدد (ما عدا محكمة العدل الدولية) في حين تختص الفروع الأخرى المحدودة العدد بمسائل معينة لكل منها لا تتعداها.
ج ـ والقاعدة أن الفرع التنفيذي في المنظمة يكون محدود العدد، أما الفرع التشريعي أو شبه التشريعي فيكون مفتوحاً لجميع الأعضاء.
د ـ والقاعدة أيضاً أن فروع المنظمات الدولية تتكون من ممثلي حكومات الدول الأعضاء، ولكن يرد على ذلك بعض الاستثناءات حيث يختار الأشخاص لصفاتهم الشخصية أو لكفاءاتهم الفذة كما هي الحال في عضوية محكمة العدل الدولية والمجلس التنفيذي لليونسكو ولجنة القانون الدولي…إلخ.
سادساً ـ سلطة المنظمات الدولية:
تتحدد سلطات المنظمة الدولية أصلاً في ميثاقها، ولكن قد تتوسع المننظمة الدولية في فهم مدى هذه السلطات إلى حد يمكن معه القول إنها بالتعامل المتواتر تخلق لنفسها اختصاصات جديدة.
وقد حاول الكتاب تصنيف سلطات المنظمة الدولية في الزمر التالية:
أ ـ البحث والدراسة والمناقشة العلنية Discussion: للمنظمة الحق بدراسة الأمور الداخلة في حدود اختصاصاتها ومناقشتها، وهي تفعل ذلك إما عن طريق أحد فروعها وإما بالدعوة إلى مؤتمر دولي عام يشترك فيه أعضاؤها وغير أعضائها من الدول والمنظمات الأخرى، وإما بالطلب إلى الدول الأعضاء فيها بتقديم تقارير عن بعض المسائل التي تهتم بها.
ب ـ الدخول في معاهدات دولية Conclusion of treaties: يلاحظ أن من أولى مقتضيات تمتع المنظمة الدولية بالشخصية القانونية الدولية حقها في إبرام معاهدات مع الدول الأعضاء وغير الأعضاء ومع المنظمات الدولية الأخرى. وقد يرد النص في ميثاق المنظمات الدولية على قيامها بإبرام أنواع معينة من الاتفاقات الدولية، مثال ذلك نص المادة (104) من ميثاق الأمم المتحدة الذي يخول الجمعية العامة أن تقترح على الدول الأعضاء الدخول في اتفاقيات حول مباشرة الأمم المتحدة لأهليتها القانونية ولوظائفها في أقاليم هذه الدول، ونص المادة (43) التي تخول مجلس الأمن عقد اتفاقيات مع الدول تتعلق بالقوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات اللازمة لحفظ السلام والأمن الدوليين، ونص المادة (63) التي تفوض إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الحق بالدخول في اتفاقيات مع الوكالات المتخصصة بقصد وصلها بالأمم المتحدة، ونص المادة (79) التي تنص على توقيع اتفاقيات بين الأمم المتحدة والدول المعنية بشأن الأقاليم الموضوعة تحت الوصاية، وقد تم إبرام معاهدات بموجب هذه المواد. كما أن التعامل جرى على دخول المنظمات الدولية مع بعضها في اتفاقيات تعاون للتنسيق بين أعمالها، مثال ذلك الاتفاق المبرم بين منظمة العمل الدولية ومنظمة التغذية والزارعة، والاتفاق المبرم بين الجامعة الأمريكية بوصفها منظمة إقليمية وبين منظمة اليونسكو بوصفها وكالة متخصصة.
ج ـ اتخـاذ القرارات Decision making: وهنا يتجلى المظهر الحقيقي لمباشرة المنظمات الدولية لاختصاصاتها. ويرى الأستاذ حافظ غانم أن كلمة قرار بالمعنى الأوسع تشمل كل تعبير عن إرادة المنظمة الدولية، وبالتالي تندرج تحتها الفئات التالية من القرارات، وهي تختلف بحسب الطبيعة والقوة الإلزامية:
1ـ النظم الداخلية وقواعد الإجراءات Rules of Procedures: وهي تنظم الأعمال داخل المنظمة وفق إجراءات وأصول محددة.
2ـ القرارات العامة General Rules: وهي القرارات التي لا تتضمن توصية معينة كالقرار بأخذ العلم أو بلفت النظر إلى مشكلة معينة من دون تخصيص أحد فيها.
3ـ التوصية Recommendation: وهي قرار يتضمن إبداء المنظمة لرغبة أو نصيحة أو اقتراح في موضوع معين. وقد تكون موجهة إلى الدول الأعضاء، (كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والإعلان الصادر في الدورة الخامسة والعشرين للجمعية العامة بشأن مبادئ القانون الدولي واجبة الاتباع لتطوير العلاقات الودية بين الدول)، أو إلى إحدى الدول (كتوصية مجلس الأمن لمصر في عام 1951 بشأن الملاحة في قناة السويس، وتوصية مجلس الأمن لإسرائيل بعدم المساس بالوضع القانوني للقدس)، أو إلى فرع من فروع المنظمة (كتوصية مجلس الأمن بقبول أعضاء جدد في المنظمة)، أو إلى منظمة أخرى (كتوصية المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى وكالة متخصصة).
والتوصيات في رأي غالبية الفقهاء ذات قوة أدبية فحسب ولا تحمل في طياتها معنى الإلزام القانوني، ولكن اتجاهاً جديداً في الفقه بدأ يصر على أن التوصية قد تتضمن معنى الإلزام القانوني في حالات معينة. كما أن فريقاً آخر من الفقهاء يكيف التوصية المتكررة في موضوع معين على أنها دليل على نشوء عرف له ما للأعراف الدولية من إلزام (ومن هذا الاتجاه لوترباخت Lauterpacht).
4ـ القرار بالمعنى الدقيق Decision: وهو تعبير عن إرادة ملزمة من جانب المنظمة الدولية أو أحد فروعها. وبهذا المعنى يكون للقرار صفة إلزامية في مواجهة الدول الأعضاء ويترتب على مخالفته مسؤولية الدول المخالفة قانوناً. ويكون من حق المنظمات الدولية عادة استصدار قرارات بالمعنى الدقيق في النواحي التنظيمية والإدارية والمالية للمنظمة، أما فيما عدا ذلك من أحوال فإن الدول عادة تتردد في منح المنظمات الدولية حق إصدار قرارات ملزمة وهي حين تفعل تثقلها بالشروط المعقدة التي تجعل صدورها صعباً أو مستحيلاً. فالدول الأعضاء في الأمم المتحدة التزمت نظرياً ـ مثلاًـ بموجب المادة (24) من الميثاق أن تحترم وتنفذ قرارات مجلس الأمن الصادرة من أجل رد العدوان أو التهديد به، ولكن صدور مثل هذا القرار يحتم إجماع الدول الدائمة وهو أمر يندر أن يحدث.
5ـ تعديل ميثاق المنظمة: والأصل فيه ضرورة إجماع الدول الأعضاء (منظمة حلف الأطلسي ووارسو)، أو موافقة ثلثي الأعضاء (منظمة الدول الأمريكية)، أو موافقة الثلثين شريطة أن تضم هذه الأغلبية ممثلي الدول الكبرى (ميثاق الأمم المتحدة).
سابعاً ـ أساليب الدول في الحد من سلطت المنظمة الدولية:
تسعى الدول باستمرار إلى التمسك بسيادتها واستخدام كل الوسائل القانونية التي تمكنها من الحيلولة دون توسع المنظمة الدولية في ممارسة سلطاتها، وأهم هذه الوسائل ما يلي:
أ ـ العضوية الاختيارية: العضوية في المنظمات الدولية حرة، فالدول لا تنتسب إليها إلا إذا أرادت، كما أن باب الخروج بالانسحاب منها مفتوح سواء بالنص الصريح أم بعدم المنع.
ب ـ اشتراط أغلبية معينة في التصويت: لازال الإجماع متطلباً في بعض الصور لصدور قرار من المنظمة (فلا بد مثلاً من إجماع الدول الدائمة في مجلس الأمن لصدور أي قرار غير إجرائي)، كما أن أغلبية الثلثين مطلوبة في العديد من المنظمات الدولية وبصورة خاصة عند تقرير المسائل المهمة. بل بدأ يظهر اتجاه حديث في بعض المنظمات الأوربية بإدخال أهمية نسبية لكل دولة في الاعتبار عند التصويت منشئاً بذلك نوعاً من التوازن القائم على التمييز في التصويت (المادة 148 من اتفاقية الجماعة الأوربية).
ج ـ انعدام الإلزام في القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية: فأغلب ما يصدر عن المنظمات الدولية يدخل في زمرة التوصيات التي ظهر أن قوتها القانونية موضع حوار فقهي مستمر، ولا تتردد الدول المعنية بإعطاء وصف التوصية غير الملزمة لأي قرار ترى فيه مساساً بمصالحها، وليس في تركيب المنظمة الدولية وميثاقها ما يمنع الدول من إعطاء مثل هذه الأوصاف.
د ـ انعدام أثر القرارت الملزمة في داخل أقاليم الدولة: انعدام أثر القرارات الملزمة الصادرة عن المنظمات الدولية من قبل السلطات الداخلية للدولة بما فيها المحاكم يرتبط بالعلاقة القائمة بين القانون الدولي والداخلي في تلك الدولة. ففي الدول التي تأخذ دساتيرها بمبدأ ثنائية القانون لا تسري هذه القرارات داخلياً إلا إذا صدرت على هيئة صك قانوني داخلي نافذ، وفي الدول التي تتبنى مبدأ وحدة القانون لا بد من نشر هذه القرارات حتى تصبح معلومة لدى السلطات الداخلية.
هـ ـ وجوب احترام المنظمات للاختصاص الداخلي للدول الأعضاء: تنص مواثيق المنظمات الدولية على الاحتفاظ للدول الأعضاء بقدر معين من الاختصاص لا يجوز للمنظمات الدولية التدخل فيه، وغالباً ما يترك هذا النص عامّاً غامضاً بحيث يصبح محلاً لتفسيرات متفاوتة تعطل من نشاط المنظمة الدولية أو تشله تماماً.
و ـ ممارسة الدول الدفاع المشروع بطريقة خاطئة: تحتفظ الدول أعضاء المنظمات الدولية بحقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها وذلك استثناء من التزام الدول الأعضاء بالامتناع عن استعمال القوة في ظل التنظيم الدولي، لكن لذلك مبرراً معقولاً هو أنه لا يمكن أن تترك الدول ضحية العدوان تنتظر الإجراءات التي تتخذها المنظمة الدولية بموجب نظرية الأمن الجماعي لرد الأذى عنها. ولهذا تحرص المواثيق الدولية على السماح بالدفاع المشروع تمارسه الدول مباشرة في حدود ضيقة وشروط محددة تتلخص في وقوع العدوان فعلاً على الدولة التي تمارس الدفاع المشروع ولا يكفي مجرد التوقع. لكن الدول تلجأ عادة إلى الاحتجاج بمبدأ الدفاع المشروع للقيام بأعمال حربية ضد دولة أخرى إعمالاً لسياستها الوطنية التوسعية أو العدوانية، مثال ذلك قيام إسرائيل مرتين في عام 1956، 1967 بشن حرب على الدول العربية بحجة أن هذه الدول تهيئ لعدوان عليها، وقيامها بغزو لبنان أعوام 1978 و1982 و2006 بحجج واهية شتى. أما حصارها لغزة عام 2008 فهو إبادة جماعية قولاً واحداً. وقيام الولايات المتحدة الأمريكية في خريف 1962 باتخاذ تدابير الحصار البحري على شواطئ كوبا بحجة أن وجود أسلحة هجومية سوڤياتية فيها يهدد السلامة الوطنية للولايات المتحدة. مثل هذا التطبيق الخاطئ لنظرية الدفاع المشروع يعطل من فعالية المنظمة الدولية بل قد يشلها.
ثامناً ـ العاملون الدوليون:
تضم المنظمة الدولية عدداً مناسباً من الأفراد العاملين International agents ينحصر عملهم في السهر على تنفيذ ما تتخذه أجهزة المنظمة من قرارات.
وقد جاءت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في موضوع التعويضات على تعريف للمقصود باصطلاح العامل في المنظمة الدولية، فقالت إنه "كل شخص طبيعي تمارس المنظمة من خلال نشاطه البشري الاختصاصات المنوط بها تحقيقها وفقاً لتعليمات أجهزتها المختصة سواء كان عمله مأجوراً أو تبرعياً، وبصرف النظر عن توقيت أو استمرار أدائه لخدماته".
وهكذا تتضح الفروق الرئيسية بين العامل الدولي وبين ممثلي الدول الأعضاء في المنظمة في النواحي الثلاث التالية:
أ ـ آثار التصرفات: في حين تنصرف آثار تصرفات ممثلي الدول إلى حكوماتهم تنصرف آثار تصرفات العامل الدولي إلى المنظمة التي يعمل بها.
ب ـ التبعية: فتعيين ممثلي الدول يعود إلى حكوماتهم وهم مسؤولون أمامها، أما العامل الدولي فيعين من قبل المنظمة ـ ولو تم ذلك بمشورة حكومته أو موافقتهاـ ويسأل أمام المنظمة.
ج ـ الحصانات: يمتنع على ممثلي الدول الاحتجاج بحصاناتهم في مواجهة دولهم، أما العاملون الدوليون فيحتجون بحصاناتهم في مواجهة كل الدول الأعضاء بما فيها دولهم.
لعل أهم هذه الفروق هو استقلال العامل الدولي الكامل في أدائه لمهمته عن الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته وعدم تبعيته لها في ممارسته لعمله هذا، فلا يجوز له تلقي أي تعليمات أو توجيهات من حكومته، أو مراعاة مصالحها السياسية أو الاقتصادية أو الأدبية بل يلتزم عادة بمراعاة النزاهة الكاملة بين كل أعضاء المنظمة ومعاملتها جميعاً على قدم المساواة.
ولا يعني هذا الالتزام انقطاع الصلة بين العامل الدولي ودولة جنسيته، فالصلة موجودة وقائمة حتى خلال الفترة التي يعمل فيها في خدمة المنظمة، لكن هذه الصلة تستمر في الحدود غير المخلة بولاء العامل للمنظمة وحياده إزاء كل اعضائها والتزامه بتعليماتها وحدها سواء تلقاها من رؤسائه المباشرين أم من الرؤساء الأعلين ام من الرئيس الإداري للمنظمة الذي يعرف عادة بالأمين العام أو المدير العام، وهو يختص عادة بتعيين العاملين في منظمته وبتوجيه نشاطاتهم وفقاً لميثاق المنظمة ولوائحها وقرارات أجهزتها المختصة.
أما الموظفون الدوليون فهم أولئك العاملون بالمنظمة الدولية على وجه الدوام والاستمرار وفق نظام قانوني خاص تضعه المنظمة لبيان حقوقهم قبلها والتزاماتهم نحوها وكل ما يخص علاقاتهم من قواعد وأحكام. ويحب بعض الكتّاب إطلاق تعبير القانون الدولي الإداري على هذا النظام القانوني الذي يصل الموظف الدولي ـ من دون بقية العمال الدوليين ـ بالمنظمة الدولية. وتحدد كل منظمة دولية النظام القانوني لموظفيها على نحو يلائمها، متأثرة عادة بأحكام القوانين الإدارية الداخلية للدول الأعضاء فيها. وهكذا لا يوجد نظام قانوني واحد للموظفين الدوليين بل توجد أنظمة قانونية متعددة بتعدد المنظمات الدولية الموجودة. لكن أوجه التشابه بين هذه الأنظمة كثيرة وملحوظة وخاصة في مجال التعيين والترقية، ففيما يتعلق بالتعيين مثلاً يتم اختيار الموظف الدولي إما عن طريق مسابقات مفتوحة لمواطني الدول الأعضاء كافة، وإما باشتراط كفاءات دراسية وعملية معينة مع مراعاة الحصول على المستويات الممكنة، كما قد تلجأ المنظمة الدولية إلى طلب ترشيحات من أعضائها مع احتفاظها بحق التقرير النهائي. لكن الملحوظ هنا أن الدول الأعضاء كثيراً ما تحاول الضغط على المنظمات الدولية إما باشتراط موافقتها المسبقة على تعيين مواطنيها في المنظمة الدولية، وإما باستخدام نفوذها للضغط على الأمين العام أو المدير العام للمنظمة لتسريح من لا ترغب فيهم من رعاياها.
وقد اتجهت المنظمات الدولية أخيراً إلى إنشاء محاكم إدارية داخل إطارها تختص بالنظر فيما قد يضطر موظفو المنظمة إلى رفعه من دعاوى إلغاء أو تعويض استناداً إلى أحكام نظامها القانوني. ويشبّه كثير من الفقهاء الفرنسيين اختصاصات هذه المحاكم باختصاصات مجلس الدولة الفرنسي. وأحكام هذه المحاكم الإدارية تقبل الطعن أمام محكمة العدل الدولية التي تفحصها وتبت فيها في رأي استشاري ولكن ملزم.
ولأحكام المحاكم الإدارية قوة القضية المقضية Res judicata في مواجهة الموظف والمنظمة. ولكي يتمكن الموظفون الدوليون من أداء مهمتهم على الوجه الأكمل في جو من الثقة والطمأنينة والاستقلال تتعهد الدول عادة ـ بمقتضى نصوص الاتفاق المنشئ للمنظمة ـ بمنح هؤلاء الموظفين القدر اللازم من الحصانات والامتيازات والإعفاءات على نحو يشبه ما يتمتع به الممثلون الدبلوماسيون للدول مع التكييف اللازم لوضعهم الخاص.
تاسعاً ـ مالية المنظمة الدولية:
لابد للمنظمة الدولية من الإنفاق لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها ولا مجال للإنفاق من دون موارد مالية تغطيها، إذن لابد من بيان الطبيعة الخاصة لكل من نفقات المنظمة ومواردها وإعداد ميزانيتها، وهي أمور تخضع في مجموعها للأحكام الواردة في المعاهدة المنشئة للمنظمة ولما يصدر عن فروعها المختصة من لوائح ونظم مالية.
أ ـ الواردات: المورد الرئيسي للمنظمة هو ما يدفعه أعضاؤها من اشتراكات مالية يساهمون من خلال التزامهم بدفعها في تحقيق الغاية التي من أجلها ارتضوا بالارتباط بالمعاهدة المنشئة للمنظمة. ولكن ما أعدل المعايير لتوزيع الأعباء المالية بين الأعضاء؟ إذ لا يعقل أن تسهم كلها بالنسبة نفسها نظراً لما بينها من تفاوت في إمكاناتها الاقتصادية. إن الأمم المتحدة اليوم تأخذ بمعيار القدرة على الدفع The Capacity to pay وتشاركها فيه كثير من المنظمات الدولية والوكالات المتخصصة، وهو معيار مركب يقوم على المقارنة بين الدخول القومية للدول الأعضاء مع مراعاة متوسط دخل الفرد وحصيلة الدولة من العملات الصعبة وما قد تتعرض له بعض الدول من أزمات اقتصادية في بعض الفترات.
ويحدد الاتفاق المنشئ للمنظمة عادة المؤيدات التي يمكن التوسل بها ضد العضو المتخلف عن الدفع وكذلك الفروع المختصة بتطبيق المؤيدات وما يتعين عليها اتباعه من إجراءات في هذا المجال، من ذلك ما نصت عليه المادة (19) من ميثاق الأمم المتحدة أنه "لا يكون لعضو الأمم المتحدة الذي يتأخر عن تسديد اشتراكاته المالية في المنظمة حق التصويت في الجمعية العامة إذا كان المتأخر عليه مساوياً قيمة الاشتراكات المستحقة عليه في السنتين السابقتين أو يزيد عنهما. وللجمعية العامة في ذلك أن تسمح لهذا العضو بالتصويت إذا اقتنعت بأن عدم الدفع ناشئ عن أسباب لايد للعضو فيها".
وإلى جانب اشتراكات الأعضاء ـ وهي المورد الأساسي للمنظمة في الحالات العادية ـ توجد موارد أخرى متعددة تتفاوت فيما بينها بالنسبة إلى الدور الذي يؤديه كل منها في تمويل المنظمة وإن كانت كلها دون الاشتراكات من حيث الأهمية، من ذلك مثلاً أرباح مطبوعات المنظمة ودخل الطوابع البريدية التي قد تصدرها، ورسم الدخول إلى أبنيتها، أو الاقتراض لأجل.
ومن أحدث الموارد التي قد تلجأ إليها المنظمة الدولية وأطرفها ما قد تستتبعه الطبيعة الخاصة لبعض المنظمات من منحها الحق في فرض ضرائب معينة على مواطني الدول الأعضاء، من ذلك ما نصت عليه الاتفاقات المنشئة للهيئات الأوربية الاقتصادية المشتركة وإن كانت إحداها فقط وهي الهيئة الأوربية المشتركة للفحم والفولاذ هي التي بدأت فعلاً بجباية هذه الضرائب بصورة جعلتها تستغني عن اشتراكات الدول الأعضاء.
ب ـ النفقات: نفقات المنظمة عموماً هي كل المبالغ النقدية المرتبط إنفاقها بممارسة المنظمة لنشاطها سواء منها المصروفات الإدارية أم ما تنفقه للقيام بمهمام معينة تدخل في نطاق اختصاصها، كقيام الأمم المتحدة مثلاً بالإنفاق على القوات التي أرسلتها للكونغو أو قبرص وقبلها إلى الشرق الأوسط. وقد ذهبت المحكمة الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في العشرين من تموز/يوليو 1962 في القضية الخاصة (بعض نفقات الأمم المتحدة) إلى القول بالتزام الدول الأعضاء في المنظمة التزاماً قانونياً بالإسهام في تمويل المنظمة بكل المبالغ التي تلزمها لمواجهة نفقاتها المختلفة الإداري منها والاستثنائي على حد سواء وذلك على الوجه الذي تحدده أجهزة المنظمة المختصة بالتطبيق لنصوص الاتفاق المنشئ للمنظمة ولأحكام لوائحها المالية. والملحوظ بصورة عامة أن نفقات المنظمات الدولية على اختلاف أنواعها تتجه نحو الزيادة والتضخم على نحو مطرد شأنها في ذلك شأن النفقات العامة الداخلية للدول.
ج ـ الموازنة: تخضع موازنة المنظمات الدولية للقواعد العامة التي تحكم الموازنات الداخلية للدول المختلفة مثل قاعدة سنوية الموازنة وعموميتها وتوازنها مطبقة بالوضع أو الأوضاع المتناسبة مع الظروف الخاصة للمنظمة. وتتولى الأمانة العامة للمنظمة إعداد مشروع الموازنة، أما قرارها والتصديق عليها فأمر يوكل في معظم الأحيان للجهاز الرئيسي للمنظمة الممثلة في عضويته الدول الأعضاء كافة.
كما أن من الجائز أن يتولى الجهاز الرئيسي لمنظمة دولية الإشراف على ميزانية منظمة أخرى ترتبط بالأولى ارتباط تعاون أو ارتباط خضوع وتبعية. فالجمعية العامة للأمم المتحدة تنظر في أي ترتيبات مالية أو متعلقة بالميزانية مع الوكالات المتخصصة وتصدق عليها وتدرس الميزانيات الإدارية لتلك الوكالات المتخصصة وتصدق عليها وتدرس الميزانيات الإدارية لتلك الوكالات لكي تقدم لها توصياتها، كذلك فإن مجلس جامعة الدول العربية يصدّق على ميزانية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عملاً بدستورها.
وأخيراً هناك من يشير إلى المنظمة الدولية بأنها مثال حي على ما يسميه الأستاذ فيليب جيسب Philip Jessup الدبلوماسية البرلمانية كشيء مختلف عن الدبلوماسية الثنائية أو الثلاثية أو سواها.

 


جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013