هكذا تتقدم الصين الشعبية لتتصدّر الاقتصاد العالمي التقارير والمقالات | هكذا تتقدم الصين الشعبية لتتصدّر الاقتصاد العالمي
تاريخ النشر: 16-07-2019

بقلم: جورج حداد

بمناسبة الذكرى السنوية السبعين لاقامة الجمهورية الشعبية الصينية، نشر "مكتب الاحصاء الرسمي" الصيني معطيات عن النجاحات التي حققتها الصين في المرحلة المنصرمة وتطلعاتها الى المستقبل.
الجدير ذكره أن الصين، وحتى الربع الأول من القرن العشرين، كانت بلدًا منهوبًا بوحشية منقطعة النظير من قبل المستعمرين الغربيين واليابانيين وشركائهم "الرأسماليين الوطنيين" الخونة. وكانت المجاعات تضرب الصين بشكل دوري ويموت من الجوع كل عام من 5 الى 10 ملايين نسمة. وفي سنة 1927 اندلعت الثورة الشعبية في الصين بقيادة تيار ماو تسي تونغ في الحزب الشيوعي الصيني.
لكن "الكومنترن" (الاممية الشيوعية) بقيادة ستالين لم يكن موافقًا على التوجه الثوري لتيار ماو تسي تونغ، بل كان يؤيد الالتحاق بحزب الكيومنتانغ بزعامة تشان كاي تشيك العميل لاميركا. وبايعاز من ستالين تم فصل تيار ماو تسي تونغ من الحزب الشيوعي الصيني. لكن الثورة استمرت وتطورت. وفي سنة 1931 اعترف الحزب الشيوعي الصيني بصوابية النهج الثوري لماو تسي تونغ، وأعيد تياره الى الحزب، وأصبح ماو تسي تونغ هو زعيم الحزب والثورة، التي تحولت الى حرب أهلية طاحنة استمرت حتى سنة 1949. وقد تم تحرير كامل البر الصيني، وبقيت في قبضة الكيومنتانغ عدة جزر صينية اكبرها جزيرة فورموزا (تايوان) حيث اعلن فيها قيام "الصين الوطنية" الانفصالية، بحماية الأساطيل الأميركية. فيما أعلن قيام "جمهورية الصين الشعبية" في كافة أراضي البر الصيني بما فيها منطقة التيبت. وفي 1959 عقد المؤتمر الدوري للحزب الشيوعي الصيني، الذي أعلن فيه باعتزاز كبير، بمناسبة الذكرى العاشرة لقيام السلطة الشعبية، عن تحقيق انجاز تاريخي وهو القضاء نهائيًا على خطر المجاعات، وأنه أصبح بالامكان تأمين وجبة غذاء واحدة على الأقل في اليوم لأكثر الناس فقرًا في الصين.
النمو الاقتصادي العاصف في الصين بدأ منذ أربعين عامًا:
وورد في معطيات "مكتب الاحصاء الصيني" أن النمو الاقتصادي العاصف في الصين بدأ مع الاصلاحات في عهد دينغ هسياو بينغ منذ أربعين عامًا. لكن اذا قسمنا معدل نمو الانتاج المحلي القائم على فترة الـ70 سنة الماضية فإن نسبة النمو السنوي تبلغ 8.1%. أما في الفترة منذ 1979 وحتى 2018 فإن المعدل الوسطي للنمو في الصين بلغ 9.4% سنويًا، أعلى بكثير من المعدل الوسطي للنمو الاقتصادي العالمي وهو 2.9%، بحسب ما كتبت صحيفة "جينمين جيباو" الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الصيني.
وبلغ اجمالي الناتج المحلي الصيني في العام الماضي 90 تريليون يوان، أي ما يعادل 13.14 تريليون دولار، وهو يزيد بشكل صارخ عن رقم 67.9 مليار يوان غداة الحرب الكورية في 1952.
وفي 2018 بلغ متوسط حصة الفرد من السكان من الدخل القومي مبلغ 9.7 آلاف دولار، وهو أعلى من متوسط الدخل العالمي.
في السنوات السبعين الماضية، نمت احتياطات الصين من العملات الأجنبية الصعبة بمعدلات مذهلة. وفي نهاية سنة 2018 بلغ احتياطي الصين من العملات الاجنبية 3.07 تريليون دولار. وبهذا المؤشر تحتل الصين المرتبة الأولى في العالم. وللمقارنة، فإن احتياطي الصين من العملات الاجنبية في نهاية 1952 لم يتجاوز 108 مليون دولار.
أورد "مكتب الاحصاء الصيني" بعض الأرقام المقارنة للدلالة على التطور العاصف للاقتصاد الصيني. ومن هذه الأرقام:
ـ بلغ انتاج الصين في السنة الماضية من الفحم الحجري 3.68 مليار طن، وهو أكثر 114 ضعفًا من انتاج سنة 1949.
ـ أما انتاج الصلب فازداد 8503 أضعاف وبلغ 1.11 مليار طن.
ـ جرى في الصين تطور ملحوظ في قطاعات المواصلات، والاتصالات، وانتاج الطاقة.
ـ في نهاية عام 2018 بلغ طول السكك الحديد في الصين 131 ألف كلم، وهو أكثر بخمسة أضعاف ما كان في 1949. وبلغ طول سكك الحديد للقطارات السريعة 29 الف كلم.
ـ أما طول رحلات الطيران المدني فبلغ 8.38 مليون كلم عام 2018 أي بزيادة 734 ضعفا عما كان سنة 1950.
ـ وأحرزت الصين تقدمًا كبيرًا في القطاع الزراعي. وفي نهاية 2018 بلغ الانتاج الزراعي 657.89 مليون طن مقابل 113.18 مليون طن في 1949.
ـ وفي نهاية 2018 بلغت القيمة المضافة في قطاع الخدمات 46.98 تريليون يوان (حوالى 6.9 تريليون دولار) مقابل 19.5 مليار يوان في 1952.
وطوال مرحلة الاصلاحات منذ 40 عاما الى الان تتابع الصين سياسة الانفتاح على الخارج والاندماج بفعالية في الاقتصاد العالمي والتقسيم العالمي للانتاج.
رغم الحرب التجارية الأميركية، تمكنت الصين في الربع الأول من سنة 2019 أن تحقق معدل نمو بنسبة 6.4%، على أساس القاعدة السنوية. فيما لم تتجاوز نسبة النمو في أميركا 2% بالرغم من تطبيق قانون الاعفاء من الضرائب الذي أصدره ترامب سنة 2017، ويقول الخبراء الاميركيون أنه لدى انتهاء فعالية هذا القانون سنة 2021 ستنخفض نسبة النمو في اميركا الى 1.6%.
كل ذلك يعني أن الصين تسير بثبات نحو إزاحة أميركا من المركز الأول في العالم كأكبر "اقتصاد وطني" على الساحة الدولية، والحلول محلها خلال الـ10 الى 20 سنة القادمة.
والسؤال الكبير هو: ما هي العوامل التي اعتمدت عليها الصين للوصول الى هذه النتيجة الخارقة؟
يشير العديد من الخبراء الى العوامل التالية:
ـ1ـ الصين بلد كبير جدًا يشغل مساحة جغرافية شاسعة (9.6 مليون كيلومتر مربع) أي ما يقارب مساحة أوروبا كلها (10.180 مليون كم2). ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليار و300 مليون نسمة، أي تقريبًا ضعف عدد سكان أوروبا بأكملها (700 مليون نسمة). بمعنى أن الصين بحد ذاتها تشكل وحدة اقتصادية هائلة (خدماتية، انتاجية زراعية وصناعية، مالية وتجارية).
ـ2ـ يقود الدولة والمجتمع الصينيين الحزب الشيوعي الصيني ذو التاريخ الكفاحي العريق، ويدعمه بشدة الجيش الشعبي الصيني. وهما يحميان النظام العام ووحدة وسيادة الصين ومصالحها القومية العليا.
ـ3ـ يتبنى الحزب الشيوعي الصيني الايديولوجية الاشتراكية العلمية ويتمسك بالمثل العليا لبناء الدولة الاشتراكية القائمة على مبادئ الانسانية والعدالة الاجتماعية. وفي الوقت ذاته يتبنى الحزب سياسة براغماتية وليبيرالية مرنة جدًا في التطبيقات الاقتصادية ويفسح المجال ويشجع ويسهل المبادرة الاقتصادية الخاصة للافراد والشركات الصينيين والأجانب. وقد سمح النظام الداخلي للحزب بانتماء الرأسماليين للحزب الذي هو حزب الطبقة العاملة.
ـ4ـ تمارس الصين سياسة انفتاح اقتصادي واسعة جدًا تجاه العالم الخارجي. وفي الوقت الذي تشارك فيه الصين بالتوظيفات الرأسمالية في عشرات البلدان، فإن أبوابها مفتوحة تمامًا للتوظيفات الرأسمالية الأجنبية التي تقدم لها كل التسهيلات. وتعمل في الصين آلاف الشركات الأجنبية الصغيرة والمتوسطة والكبيرة.
ـ5ـ تتميز السلع الصينية بقدرة تنافسية عالية جدًا بسبب رخص أسعارها الناتج عن وجود يد عاملة رخيصة ضمن الحدود الدنيا للحياة الكريمة. وتتوفر اليد العاملة الرخيصة بسبب تبسيط عمليات الانتاج والتدفق الدائم لليد العاملة من الأرياف الى المدن الصناعية.
ـ6ـ الى جانب الليبرالية والمرونة الاقتصادية فإن الدولة الصينية تكافح الفساد بصرامة لا هوادة فيها. وينال الفاسدون أشد العقوبات قسوة بما فيها الاعدام رميًا بالرصاص. ويعاقب الفاسدون والمتسترون عليهم.
ـ7ـ إن امتلاك أميركا للدولار كعملة ورقية دولية بدون تغطية سلعية (= ذهبية) حولها الى دولة طفيلية مصاصة دماء الاقتصاد العالمي بأسره. وهذا ما حول أميركا الى دولة قطاع خدمات الذي أصبح يشكل أكثر من 80% من الاقتصاد الأميركي. بالنسبة للصين هذا الباب هو مغلق تمامًا، لأن نفخ قطاع الخدمات على حساب قطاع الانتاج يعني إلقاء مئات ملايين العمال الصينيين في الشوارع، ويعني المجاعة والثورة الفوضوية المدمرة.
ـ8ـ إن العداء لروسيا والروس هو نزعة جذرية متأصلة في الغرب منذ أيام الامبراطورية الرومانية القديمة الى اليوم. وروسيا المعاصرة هي مهددة بوجودها ذاته. فدفاعًا عن وجودها كدولة وكشعب، توجه الدولة الروسية الكتلة الأساسية من التوظيفات الرأسمالية للدولة نحو صناعة الأسلحة والمجمع الصناعي الحربي الذي يستقطب خيرة العلماء والخبراء والاختصاصيين والعمال المهرة الروس، والذي يمثل القطب الرئيسي للاقتصاد الروسي بمجمله. والصين قادرة بامتياز على أن تسحق أي عدو كان في أي حرب اقليمية محدودة في محيطها. أما في حال قيام مواجهة مصيرية بين الصين وأميركا مثلًا، تستخدم فيها الأخيرة أسلحة الدمار الشامل ضد الصين، فإن الصين تتكل على التحالف الستراتيجي بينها وبين روسيا الكفيلة بمحو أميركا من الخارطة. وهذا ما جعل الصين معفية من عبء سباق التسلح مع أميركا والناتو.
ـ9ـ كل ذلك ساعد الصين على توجيه الكتلة الأعظم من التوظيفات الرأسمالية للدولة نحو الانتاج السلعي الاستهلاكي، واكتساح الأسواق العالمية بسلعها الرخيصة.
تسير الصين الشعبية اقتصاديًا قدمًا الى الأمام بحماية الأسلحة المتطورة والخارقة لروسيا التي لا تزاحم الصين على دورها الاقتصادي الطليعي العتيد بل تساعدها للوصول الى مركز الأولوية. وحينما يتحقق ذلك في وقت قريب جدًا، فإن جميع المعادلات وموازين القوى والأوضاع العالمية ستنقلب رأسًا على عقب، وأولها سيكون الانهيار الاقتصادي التام للدولة الطفيلية أميركا.


تنويه | المقالات المنشورة في الموقع تمثل رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أسرة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013