فصل الدين عن الحياة الاجتماعية المجلس الاجتماعي | فصل الدين عن الحياة الاجتماعية
تاريخ النشر: 23-04-2019

بقلم: علي حكمت شعيب

يُتحفنا بعض المثقفين من المسلمين، في أيامنا هذه بمقولة
"إن الدين غير مؤثر في تقدّم الشعوب وتطورها"،
مستندين إلى نماذج غربية في التطور الحضاري والمدني لا تؤمن بالدين، معتمدين مبدأ التعميم لتجارب غير ناجحة لتحكيم الدين في الدولة في عالمنا الإسلامي،
ومبتعدين عن المنهجية العلمية والموضوعية التي ينبغي لأي باحث أن يتحلّى بها عندما يجمع المعطيات ويستقرئ الوقائع، وصولاً إلى إطلاق الأحكام المنطقية والعادلة
.وهم بقولهم هذا، يدعون بطريقة غير مباشرة الى تقليد تلك الأمم التي لا تحكّم الدين في حياتها، وبالتالي إلى فصل الدين عن الحياة الاجتماعية.
فالدين وفق رأيهم موجود في حياتنا، لكنه لم يطوّرنا بل بقينا في غياهب الجهل والتخلف.
ومن يتتبعهم يرى روحية محبطة غير واثقة بما لديها من دين إسلامي حنيف، ومنبهرة بما عند الغرب من نظم اجتماعية وتقدم حضاري. وهنا نورد جملة أمور في إطار الرد عليهم:
١- إن الدين الإسلامي لديه فلسفة وجودية شاملة: تطال الكون والحياة والإنسان، ويؤسس عليها نظاماً للحكم، لتسيير شؤون الناس وفقاً لها في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية... وأتى ليبني دولة عالمية وفق هذا النظام. وإن سوء التطبيق عند البعض لا يُلغي التجارب الناصعة والمشرقة في هذا المجال ( تجربة إيران نموذجاً).
٢- إن التقدم الحضاري قد يتمّ دون الاستناد الى الدّين: لكن لا يُبنى فيه المجتمع النموذجي الذي يبلغ الإنسان فيه السعادة في الدنيا، ولا يتكامل في مساره نحو السعادة في الحياة الآخرة، باعتبار الدنيا مقدِّمة لها وفق فلسفة الدين الاسلامي.
ويظلِم هذا المجتمع اللاديني غير المستضيء بالقيم الدينية، المجتمعات الأخرى ويسخرها لخدمته ويطغى عليها في سبيل سعيه لتأمين السعادة التي يتوهم الحصول عليها، عبر هذا السبيل الذي يتوسل التسلط والهيمنة.
ولقد تحدّث القرآن الكريم عن ممالك عديدة مزدهرة، وذات قوة عمرانية وعسكرية كمملكة فرعون وعاد وثمود و...، وأخص بالذكر مملكة سبأ التي وفق القرآن الكريم، قد حكمتها سيدة قديرة هي الملكة بلقيس، وكانت لديها دولة مقتدرة، وكانت قائدة من الطراز الأول، حكيمة وتثق بأتباعها وتعتمد سبيل المشاركة في اتخاذ القرار، ويثق فيها الأتباع لدرجة عالية.
"إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ"

"قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ *
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ"
فهلّا سأل هؤلاء أنفسهم لماذا كان ذلك الحرص الإلهي على أن تُسلِم ملوك وشعوب هذه الممالك من خلال تكليف أنبياء الله العظام عليهم السلام كالنبي موسى(ع) وسليمان(ع)، والنبي هود(ع)، والنبي صالح(ع)...، لخوض غمار التغيير فيها وصعابه وتحدياته ومآسيه من أجل تأسيس حكم ديني.
٣- إن ما نعاني منه اليوم يتمثل، في جزء منه: بفقدان الثقة بأنفسنا وديننا وقيمنا المنبثقة منه، والانجذاب الى حدّ الانقياد غير الواعي، نحو نموذج المجتمعات الغربية المتقدّمة عمرانياً، على حساب نهب وسرقة موارد المجتمعات الأخرى، والمتراجعة أخلاقياً وقيمياً. صاحب الفطرة السليمة، كزواج المثليين من ذكور وإناث، وتأخير الزواج الذي يؤدي الى نقص في الكم ليصل بهم الأمر الى تشريع أمور، لا يرضاها
والنوع في الأجيال القادمة، وغيرها من السلوكيات الخاطئة... ،
وسيؤدي بهم هذا الأمر الى انقراض نسلهم على المدى البعيد، حيث تشير الدراسات في بريطانيا مثلاً، أنه في العام 2060 لن يكون هناك مولود من أب وأم بريطانيين من السكان الأصليين.
٤- يعيد هؤلاء تخلفنا الى سبب رئيسي هو عدم الأخذ بأسباب التقدم والتطور: وليس ببعدنا عن الدين إذ أننا باعتقادهم شعوب متديّنة.
إذن كيف يفسّرون لنا تقدماً وتطوراً نشهده حالياً، غير مسترشد بالقيم الدينية يهدد البشرية بالنووي، وقد أباد جزءاً كبيراً منها بالذري، وفي حربين عالميتين في قرن واحد هو القرن العشرون، حصدتا عشرات الملايين من القتلى، وأضعاف ذلك من الجرحى، وما زال سباق التسلح قائماً.
في ظل واقع لأمم تُقصف بأسلحة أنتجها التقدّم العلمي، وتجتاحها المجاعة والأمراض (٨٠% من أهل اليمن الذي يقارب عدد سكانه ال٣٠ مليوناً مهدّدون بالمجاعة بسبب قصفهم بأحدث الأسلحة التكنولوجية).
أم كيف يفسرون لنا، مسألة الغبن والإجحاف في توزيع الموارد في العالم، حيث 20% فقط من سكان الأرض، وغالبيتهم في نصفها الشمالي، يستحوذون على ٨٠ % من هذه الموارد.
وإلى أي سبب يردّون الاستئثار بالقرار في العالم من قبل منظمات دولية، تديرها الأمم الأقوى عسكرياً واقتصادياً، لتحفظ مصالحها على حساب شقاء وتعاسة الأمم الأخرى، ببدع منها حق النقض لأي قرار يضر بها وبأتباعها.
فأي تسمية نطلق على هذا التقدّم والتطور في الوسائل المادية، وهل فعلاً هو يفيد البشرية اذا كان غير مستظل بالقيم الدينية الالهية المنسجمة مع الفطرة الانسانية، أم هو يضر بها ويقودها إلى حتفها.
٥- إن التجارب التي يستقرئها هؤلاء من دول في العالم الإسلامي: ادّعت تطبيق الدين في نظام حكمها، هي تجارب ساهم المستكبر في صناعتها واحتضانها، ولولا ارتباطها به لما بقيت واستمرت.
فالإسلام الوهابي مثلاً هو صناعة بريطانية وحضانته بريطانية وأمريكية.
وقد حاول المستكبر، الممسك بزمام القرار في النظام العالمي، إنتاج هكذا دول تابعة له، تدّعي تطبيق الإسلام، حيث يكون الدين بيد الحاكم وتُنسج الفتوى على يد وعاظ السلاطين لتميل مع هوى الحاكم وسياساته كيفما مالت، ليحقق السيد المستكبر من خلالها هدفين:
أولهما إبقاء هيمنته على هذه الدول لنهب مواردها وخيراتها وتسخيرها لخدمة أهدافه وبرامجه.
ثانيهما: إيهام الناس أن صورة الإسلام الحقيقي هي على هذه الشاكلة.
وأي محاولة لإقامة الإسلام الأصيل الذي يجاهد المستكبرين الطغاة، ناهبي ثروات الشعوب، ويستنهض المستضعفين ويحررهم ليمكّنهم ويجعلهم سادة وأحراراً على دولهم، هي ممارسة متطرفة إرهابية لقتل الناس والإلقاء بهم في غياهب العنف والدموية والتخلف.
وقد أنتجوا تجربة داعش المخيفة والمرعبة، مصرّين على تسميتها بالدولة الإسلامية في العراق وسوريا
Islamic state in Iraq and Syria (ISIS).
ليقولوا للناس في العالم، هذا هو الإسلام الذي يعادينا، إذا ما أراد أن يقيم دولة يحكمها، في كل فظاظته وغلظته وعنفه ودمويته وابتعاده عن قيم اللين والرحمة، ليضربوا بذلك روحية الإسلام القائم على الرحمة العالمية " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ويؤخروا عبر هذا التشويه المخطط وصول الإسلام الأصيل إلى أوروبا وأمريكا وإلى الناس أجمعين، بعدما تهاوت الأيديولوجية الشيوعية العالمية، ولم تُفلح الرأسمالية بخوائها الروحي، وهشاشتها العقائدية، وممارساتها الآثمة، أن تشكّل البديل المناسب للناس.
٦- إن الدين الإسلامي لا يعارض الأخذ بسبل التقدم والتطور لبناء الحياة الطيبة التي يريد أن يشيّدها وفق صرحه القيمي. ولذلك سُخّرت الأرض والكثير من المخلوقات لخدمة الإنسان، وكان الإنسان خليفة الله سبحانه على الأرض ليعمرها لا ليُفسد فيها ويسفك الدماء.
وأبرز دلالة على ذلك هو دولة إيران الإسلامية التي استطاعت عبر أربعة عقود من الزمن، أن تحتل المراتب الأولى في الإقليم في ميادين التقدّم العلمي وانتاج العلم وصناعة التكنولوجيا والطاقة النووية و...، وهي دولة تحكّم الدين في إطار نظرية ولاية الفقيه، وفق منهج السيادة الشعبية الدينية، مما أثار حفيظة المستكبرين لمنعها من تشكيل النموذج الجاذب لشعوب المنطقة والعالم، فشنّوا الحرب العراقية الإيرانية ضدها، وهي لم تزل وليدة، مموّلة من عبيدهم ملوك وأمراء الخليج، ويحاصرونها اليوم إعلامياً واقتصادياً، للحدّ من انطلاقتها المتنامية والمتصاعدة.
٧- إن من يريد أن يحاكم الدين الإسلامي ويعتبره غير مؤثر في تطور وتقدم المجتمعات:عليه أن يقرأ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة جيداً، اللذين يدعوان بشكل بيّن الى قيام الدولة الإسلامية، التي بها تتحقّق سعادة الإنسان معنوياً ورفاهيّته مادياً.
ولا يُطلق التعميمات من دون علم ودراية.
إن ما يُخيف المستكبرين اليوم هو أن يشكّل الدين الإسلامي النموذج الجاذب الذي يستجيب للحاجة العالمية إلى فلسفة عقائدية تخاطب عقلهم وفطرتهم وتملأ فراغهم الروحي الموحش، وتبني لهم سعادتهم، بعدما علموا أن لا سعادة في النظم المادية التي أبعدتهم عن خالقهم، وهدفيتهم في الحياة من شيوعية بائدة ورأسمالية لئيمة مفترسة.


جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013