الإستيطان في قرارات مجلس الأمن مجلس فلسطين | الإستيطان في قرارات مجلس الأمن
تاريخ النشر: 16-05-2017

بقلم: فهد سليمان
يضم البحث المحاور التالية: الإستيطان في قرارات مجلس الأمن، مطالعة في القرار 2334
   1- مقدمة
   2- قرارات العامين 1979 - 1980
   3- في موضوع القرار 2334
   4- القرار 2334 .. مناهضة الإستيطان
   5- القرار 2334 والمفاوضات
   6- المأخذ الرئيسي على القرار 2334
   7- خلاصات
-------------------------------
 (1)
مقدمة

1- المقصود هو قرارات مجلس الأمن الحصرية بالاستيطان في الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة بعدوان 1967، وليس تلك التي ــــــ إلى جانب قضايا أخرى تتعلق بالصراع مع إسرائيل ـــــ تتطرق إلى الاستيطان بشكل مباشر أو غير مباشر وفي أكثر من سياق، إما باستذكار المرجعيات القانونية والشرعية الدولية التي تحظره، أو من خلال المطالبة بالامتناع عن مندرجاته، بمثال النص على: القرار 242 الذي يمنع الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة؛ إتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب؛ الامتناع عن أي عمل قد يؤدي إلى تغيير الطابع الجغرافي والتركيب السكاني للأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس؛ الاصرار على عودة السكان المبعدين عن أماكن سكنهم الأصلية جراء الأعمال القتالية؛ تأييد خطة الرباعية الدولية للتسوية الدائمة إلخ..
في هذا الاطار نلاحظ أن مجلس الأمن لم يبدأ باتخاذ قراراته المتخصصة في موضوع الاستيطان، إلا بعد مرور 12 سنة على بدء الاحتلال الذي تزامن مع إطلاق مشروعي التهويد والاستيطان، فصدرت عن مجلس الأمن خمسة قرارات متتالية: 446، 452، 465، 476، 478 في العامين 1979 ــــــ 1980؛ ثم توقف عنها مجلس الأمن، قبل أن يستأنفها بعد حوالي أربعة عقود (36 سنة بالتحديد) بصدور القرار 2334 في نهاية العام 2016.
كما نلاحظ أن جميع هذه القرارات، بميزان التصويت، وباستثناء القرار446(1979) الذي لم توافق عليه سوى 12 دولة من أصل 15 دولة عضو في مجلس الأمن، بينما إمتنعت عنه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج، فقد صدرت القرارات الأخرى بموافقة 14 دولة، وإنفردت الولايات المتحدة بالامتناع. ولهذا الموقف مغزاه بالنسبة لدولة، كالولايات المتحدة، تملك حق النقض( الفيتو) على مشاريع القرارات المطروحة للتصويت في مجلس الأمن، فعدم إستخدام هذا الحق يساوي القبول بتمرير مشروع القرار، بما يعني إستعداد واشنطن في ظرف سياسي معيّن أن تشهر البطاقة الصفراء في وجه إسرائيل، إنما دون الوصول إلى البطاقة الحمراء، باعتبار أن قرارات مجلس الأمن المذكورة تندرج تحت الفصل السادس الذي يمنحها صفة الإلزام، وليس الفصل السابع الذي يفتح على إمكانية اللجوء لاستخدام القوة في حال عدم إستجابة الطرف المعني، أو إتخاذ إجراءات عقابية رادعة بحقه بالحد الأدنى.
2- هذه هي الحدود التي ينبغي التذكير بها للمغزى الإيجابي لقرارات مجلس الأمن، ولموقف واشنطن حيالها، التي يمكن أن تتراجع عنها كما حصل في أكثر من محطة، منها على سبيل المثال رفض مجلس الأمن مرتين في العام 1997 (7 و 21 آذار/ مارس) لمشروعي قرارين يتعلقان بإقامة مستوطنات إسرائيلية جديدة في الأراضي الفلسطينية، بسبب من إستخدام واشنطن مرتين لحق الفيتو؛ وكما حصل في شباط (فبراير) 2011 عندما تسببت الولايات المتحدة بإسقاط مشروع قرار مناهض للإستيطان، أيضاً بإستخدامها حق النقض..
إن هذا يطرح على الطرف المستفيد من قرارات مجلس الأمن، أي منظمة التحرير الفلسطينية، عدم الركون إليها وحدها، بل المسارعة لتثمير هذه القرارات بترجمتها إلى خطوات عملية تُصعِّد الضغط على إسرائيل من جانب الدول والمؤسسات الدولية والقوى السياسية وسائر مكونات المجتمع المدني لاتخاذ إجراءات عملية ضد الاحتلال والاستيطان ولصالح الحقوق الفلسطينية.

(2)
قرارات العامين 1979 - 1980
1- إذا كان من الطبيعي أن تتشارك قرارات مجلس الأمن الخاصة بالاستيطان بعديد النقاط فيما بينها، كونها تتناول نفس الموضوع، إلا أن الزمن الطويل الفاصل بين القرار الأخير(2334) والقرارات الخمسة التي سبقته، تغيّرت خلالها ظاهرة الاستيطان نوعياً، يزكي قراءة القرار 2334 على حدة إنطلاقاً من التطورات السياسية الجارية، وعلى خلفية إدراك الوظيفة المتجددة للاستيطان التي نقلته من موقع تأمين البنية التحتية للإحتلال إلى واقع القاعدة المادية العريضة المُجهزَّة لاستقبال قرار يُرسّم ضم مناطق واسعة من الضفة الفلسطينية إلى إسرائيل، وهذا موضوع راهن مطروح على جدول أعمال الكنيست والحكومة الاسرائيلية الحالية، من خلال تصورات وآليات لا بل مشاريع قرارات، تصب في مجرى الضم على تباين مدياته.
2- لقد صدرت قرارات مجلس الأمن الحصرية بالاستيطان والعائدة إلى العامين1979 ــــ 1980 في النصف الثاني من ولاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر، الذي أبرمت في عهده معاهدة السلام المصرية ـــــ الإسرائيلية في آذار (مارس) 1979، في نفس الشهر الذي صدر فيه القرار الأول الخاص بالاستيطان عن مجلس الأمن، وهو القرار 446. وتلتقي هذه القرارات فيما بينها على ما يلي:
  ■ التأكيد على إنطباق إتفاقية جنيف الرابعة (12/8/1949) المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب على الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967، بما في ذلك القدس، مع مطالبة إسرائيل بصفتها القوة المحتلة أن تلتزم باتفاقية جنيف؛ كما تقرر أن سياسة إسرائيل وممارساتها بإقامة المستوطنات على الأراضي الفلسطينية والعربية، ليس لها أي مستند قانوني وتشكل خرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
  ■ مطالبة إسرائيل أن تتراجع عن تدابيرها السابقة، وأن تمتنع عن أي عمل قد يؤدي إلى تغيير الوضع القانوني والطابع الجغرافي أو أي عمل قد يؤدي إلى التأثير الملموس في التركيب السكاني للأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس، وأن تمتنع بشكل خاص عن نقل مجموعات من سكانها المدنيين (أي المستوطنين) إلى الأراضي العربية المحتلة.
  ■ وبالنتيجة يقرر مجلس الأمن أن سياسة إسرائيل وممارساتها بإقامة المستوطنات تشكل عقبة في وجه التوصل إلى سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط، مشيراً إلى «العواقب الخطرة» التي تجرها سياسة الاستيطان على أية محاولة للوصول إلى حل سلمي في الشرق الأوسط.
3- إلى ما سبق نشير إلى تميّز القرار 465 (1980) بالنص على «تفكيك المستوطنات القائمة». أما بالنسبة للقدس فقد خصَّها مجلس الأمن بقرارات متدرجة بمداها واكبت إنتقال عملية التهويد باعتبارها أعلى درجات الإستيطان إلى قوننة وترسيم الضم.
  ■ القراران 452 (1979) و465 (1980) وضعا في الاعتبار «الوضع الخاص لمدينة القدس»، وأعادا «تأكيد قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالقدس، ولا سيما ضرورة حماية وصون البعد الروحي والديني الفريد للأماكن المقدسة في تلك المدينة».
  ■ القرار 476 (1980) أتى لـ«يشجب إستمرار إسرائيل في تغيير المعالم المادية والتركيب الجغرافي والهيكل المؤسسي ووضع مدينة القدس الشريف»؛ ولـ «يؤكد أن كل هذه الاجراءات التي غيّرت معالم مدينة القدس الشريف، ووضعها الجغرافي والسكاني والتاريخي هي إجراءات باطلة أصلاً، ويجب إلغاؤها وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة».
  ■ أما القرار 478 (1980) الصادر إثر مصادقة الكنيست الاسرائيلي على «قانون أساسي» يساوي ضم القدس بالمعنى القانوني والرسمي إلى إسرائيل، فهو ينص على أن مجلس الأمن «يلوم أشد اللوم مصادقة إسرائيل على القانون الأساسي بشأن القدس» مؤكداً على أن هذا «يشكل إنتهاكاً للقانون الدولي»؛ و«يقرر أن جميع الاجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي إتخذتها إسرائيل، والتي غيّرت معالم مدينة القدس الشريف ووضعها وإستهدفت تغييرها، خصوصاً «القانون الأساسي» الأخير بشأن القدس، هي إجراءات باطلة أصلاً ويجب إلغاؤها»؛ كما «يقرر عدم الاعتراف بـ«القانون الأساسي» وغيره من أعمال إسرائيل التي تستهدف نتيجة لهذا القرار، تغيير معالم القدس ووضعها»، ويدعو «الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية في القدس سحب هذه البعثات من المدينة المقدسة».

(3)
في موضوع القرار 2334
1– قرار مجلس الأمن الرقم 2334 (2016)  كناية عن مقدمة (ديباجة) من 10 حيثيات  و 13 فقرة عاملة، منها 4 فقرات تتناول أشكال (أساليب) متابعة تنفيذ القرار (follow up) دون التطرق إلى موضوعه، هي الفقرات التي «يؤكد (فيها مجلس الأمن) تصميمه على دعم الطرفين طيلة المفاوضات وفي تنفيذ الإتفاق» (الفقرة 10)؛ و «يؤكد (فيها) من جديد تصميمه على بحث السبل والوسائل العملية الكفيلة بضمان التنفيذ الكامل لقراراته ذات الصلة» (الفقرة 11)؛ و«يطلب (فيها) إلى الأمين العام أن يقدم إلى المجلس كل ثلاثة أشهر تقريراً عن تنفيذ أحكام هذا القرار» (الفقرة 12)؛ و«يقرر أن يبقى المسألة قيد نظره» (الفقرة 13). إن هذه الفقرات تنشيء مجتمعة آلية رقابة دورية للمتابعة، وكذلك للمطالبة باتخاذ قرارات أخرى (وربما إجراءات) في حال مضي إسرائيل بممارساتها الإستيطانية.
2- وبينما تبرز الفقرات العاملة الجوانب التنفيذية أو العملانية (operativ) للقرار وتؤكدها، تقوم الحيثيات إنطلاقاً من إسترشادها بعناصر ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، بالتمهيد للقرار ورسم الإطار الأوسع للقضية موضوع البحث. إن الحيثية الأولى من المقدمة (الديباجة) تعيد التأكيد على قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بموضوع القرار 2334 من خلال إستدعاء القرارات التالية:
  ■ القرارين 242 (1967) و 338 (1973) اللذين يلازمان كمرجعية - أساس للتسوية جميع قرارات مجلس الأمن (والجمعية العامة) المتعلقة بالصراع العربي والفلسطيني – الإسرائيلي، واللذين ينصّان أيضاً على ما أتت عليه الحيثية الثانية من ديباجة القرار: «إن مجلس الأمن (..) يؤكد، في جملة أمور، عدم جواز الإستيلاء على الأراضي بالقوة».
  ■ القرارات الخمسة السابق ذكرها: 446، 452، 465، 476، 478، تأكيداً على الصلة بين القرار 2334 وما سبقه من قرارات مجلس الأمن المتخصصة بنفس الموضوع، أي الإستيطان بمختلف تجلياته.
  ■ القرار 1397 (2002)، وهو القرار الأول الصادر عن مجلس الأمن الذي يشير بالنص الصريح إلى الدولة الفلسطينية عندما «يؤكد رؤية تتوخى منطقة تعيش فيها دولتان، إسرائيل وفلسطين، جنباً إلى جنب ضمن حدود آمنة ومعترف بها»، الأمر الذي يؤسس للإشارات المتكررة في القرار 2334 إلى الدولة الفلسطينية، كما في الحيثية التاسعة: إن مجلس الأمن «(..) يؤكد من جديد رؤيته التي تتمثل في منطقة تعيش فيها دولتا إسرائيل وفلسطين الديمقراطيتان جنباً إلى جنب في سلام وضمن حدود آمنة ومعترف بها».
  ■ القرار 1515 (2003) القاضي باعتماد خطة خارطة الطريق الصادرة عن الرباعية الدولية. علماً أن هذا القرار لا يشير بالنص الصريح إلى إحدى أهم النقاط التي تضمنتها خارطة الطريق لجهة تجميد الإستيطان. وبالمقابل، فقد أسس القرار 2334 على القرار 1515 ليظهِّر ما أغفله الأخير، وذلك من خلال النص الصريح في الحيثية السادسة على مايلي: إن مجلس الأمن «(..) يشير إلى الإلتزام الذي تقضي به خريطة الطريق التي وضعتها المجموعة الرباعية، والتي أقرها المجلس في قراره 1515 (2003)، بأن تقوم إسرائيل بتجميد جميع الأنشطة الإستيطانية، بما في ذلك «النمو الطبيعي»، وبتفكيك جميع البؤر الإستيطانية التي أقيمت منذ آذار (مارس) 2001».
  ■ القرار 1850 (2008) القاضي بتأييد المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية التي بدأت في أنابوليس بعد إنقضاء أكثر من عام على إفتتاحها في 27/11/2007، فقد أعلن عن «إلتزام بعدم الرجوع عن المفاوضات الثنائية» الفلسطينية - الإسرائيلية.
3- إن القرار 2334 بإعادته التأكيد على قرارات مجلس الأمن السابق ذكرها، يقوم برسم الخطوط الرئيسية لموضوعه الذي بتركيزه على شجب الإستيطان من زوايا مختلفة وعدم إعترافه بالأمر الواقع الذي أفرزه، إنما «يعرب عن بالغ القلق (من قبل مجلس الأمن) إزاء التهديد الخطير المحدق بإمكانية تحقيق حل الدولتين على أساس حدود 1967 بسبب إستمرار أنشطة الإستيطان الإسرائيلية» (الحيثية الخامسة من مقدمة القرار). وفي هذا السياق يدعو القرار 2334 لتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية ونجاحها (الحيثية العاشرة من مقدمة القرار)، في إطار مرجعية وصيغة إتفاق أوسلو، الأمر الذي سنتوسع فيه في السياق اللاحق لهذه المطالعة («5- القرار 2334 والمفاوضات»).
4- شجب الإستيطان بمختلف تعبيراته، عدم الإعتراف بنتائجه، الدعوة إلى توفير شروط إستئناف المفاوضات بصيغة أوسلو عملياً، وضمان نجاحها.. هذه هي الخطوط الرئيسية للقرار 2334، الذي قوبل صدوره بترحيب فلسطيني واسع شعبياً وفصائلياً، بإجماع القوى الفلسطينية داخل منظمة التحرير وخارجها.
غير أن هذا الترحيب الواسع لم يَحُلْ دون بروز مواقف ناقدة للقرار، إنطلاقاً من صياغات معيّنة وردت في بعض حيثيات ديباجته (السابعة والثامنة تحديداً) وبعض فقراته العاملة (السادسة والسابعة). إن هذه المآخذ على القرار 2334 على وجاهتها، لا تبرر عدم الإستقبال الإيجابي للقرار كمحصلة، كنتيجة، كموقف، ودينامية تجدر الإفادة منها لطرق أبواب جديدة للعمل الوطني المناهض للإحتلال من بوابته الأوسع وهي الإستيطان.

(4)
القرار 2334 .. مناهضة الإستيطان
وعدم الإعتراف بنتائجه
1 – باستثناء القرار 465 (1980) الذي يدعو حكومة إسرائيل – من بين أمور أخرى – إلى تفكيك المستوطنات القائمة، يستعيد القرار 2334 عملياً، أهم ما ورد في القرارات الخمسة آنفة الذكر (446، 452، 465، 476، 478)، مجدداً الإدانة لأعمال الإستيطان؛
■ فمجلس الأمن «يدين جميع التدابير الرامية إلى تغيير التكوين الديمغرافي وطابع ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، والتي تشمل إل جانب تدابير أخرى بناء المستوطنات وتوسيعها ونقل المستوطنين الإسرائيليين ومصادرة الأرض وهدم المنازل وتشريد المدنيين الفلسطينيين، في إنتهاك للقانون الدولي الإنساني والقرارات ذات الصلة» (الحيثية الرابعة من مقدمة القرار).
هنا تجدر ملاحظة مايلي: لأول مرة يرد في صياغة قرارات مجلس الأمن الحصرية بالإستيطان مصطلح «المستوطنين الإسرائيليين» (Israeli settlers) في سياق إدانة إستيطانهم للأرض الفلسطينية، وتظهيراً لمكانتهم المخالفة للقانون الدولي، بعد أن كانت الصياغات السابقة تستخدم مصطلح «سكان إسرائيل المدنيين»(its own civilian population) في سياق مطالبة إسرائيل بالإمتناع عن نقل هؤلاء إلى المستوطنات المقامة على أراضي الـ 67 (الفقرة 3 من القرار 446)، أو مصطلح «توطين قسم من سكانها ومن المهاجرين الجدد» (settling parts of its population and new immigrants) في سياق إعتبار أن «هذه السياسة وهذه الأعمال تشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط» (الفقرة 5 من القرار 465).
■ وكذلك فإن مجلس الأمن «يؤكد مجدداً أن من واجب إسرائيل، السلطة القائمة بالإحتلال، أن تتقيّد تقيّداً صارماً بالإلتزامات والمسؤوليات القانونية الملقاة على عاتقها بموجب إتفاقية جنيف الرابعة (..)، ويشير إلى الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في 9/7/2004» (الحيثية الثالثة من مقدمة القرار)؛ وهي المرة الأولى التي يتطرق فيها قرار صادر عن مجلس الأمن إلى الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية (بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة)، ما يضفي على البعد القانوني الدولي المكرس لهذه الفتوى، ويعززه ببعد الشرعية الدولية (مجلس الأمن بعد الجمعية العامة)، سيما إذا أخذنا بالإعتبار أن مضمون فتوى لاهاي يلتقي تماماً مع المطالب والحقوق الوطنية الفلسطينية، بما فيها الإستيطان بكل متفرعاته (التهويد، الضم، مصادرة الأراضي، الجدار، البنية التحتية التي تخدم أغراض الإستيطان من طرق إلتفافية وغيرها).
2- مع إستثناء أربع فقرات إجرائية (من 10 إلى 13) متعلقة بأشكال متابعة القرار 2334، نلاحظ بأن خمساً من أصل تسع فقرات يقوم عليها جسم القرار، تنص بصيغ قاطعة على رفض الإستيطان ورفض الإعتراف بنتائجه؛ وكما يرد في هذه الفقرات، فإن مجلس الأمن
أ) «يؤكد من جديد أن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية ويشكل إنتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحلال السلام العادل والدائم والشامل» (الفقرة 1 من القرار). [لاحظ: «عقبة كبرى» وليس فقط «عقبة خطرة» كما ورد في القرار 446 (1979) أو «عقبة جدية» كما ورد في القرارين 476 (1980) و 478 (1980)].
في هذا الإطار يجدر التوقف أمام الفقرة 5 من القرار التي تنص على أن مجلس الأمن «يهيب بجميع الدول، مع مراعاة الفقرة 1 من هذا القرار، أن تميّز في معاملاتها ذات الصلة بين إقليم دولة إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967». إن ما تسعى الفقرة 5 إلى إستدراكه، ينطلق من دافع التمييز من جهة، بين مكانة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، باعتبارها أراضٍ محتلة بعرف القانون الدولي، لا يحق للدولة القائمة بالإحتلال أن تغيّر معالمها الجغرافية والسكانية، ومن جهة أخرى أراضي الـ 48 الواقعة في نطاق دولة عضو في الأمم المتحدة، معترف بها قانونياً ورسمياً كدولة مستقلة وسيدة. إن ما يترتب على أن «تميّز الدول في معاملاتها ذات الصلة» بين الكيانين، هو أن يقتصر تطبيق قرار المقاطعة بمختلف أشكالها على مناطق الـ 67 (أي المستوطنات) وليس الـ 48. إن هذا التمييز بين الـ 48 والـ 67، على خلفية المكانة الرسمية والقانونية لكل منهما، وما يترتب على ذلك سياسياً، لا ينال من حقيقة كون المشروع الإستيطاني في مناطق الـ 67 مدان ومرفوض وآيل إلى زوال الخ.. بأحكام الشرعية الدولية والقانون الدولي الإنساني الخ..، بقدر ما يملي على الحركتين الشعبيتين بالنسبة لمواجهة الإستيطان في مناطق الـ 67 كما في الـ 48 إعتماد إستراتيجيتين متكاملتين على جانبي الخط الأخضر، وبما يراعي خصوصية الوضع والظرف السائد في المكان. وفي كل الأحوال، فإن الفقرة 5 لا تنتقص البتة من مضمون الفقرة 1، بل يجب النظر إليها – في واقع الحال – من زاوية أنها ليست أقل من الزج بسلاح إضافي من مخزون الشرعية الدولية في حملة المقاطعة التي تستهدف الإحتلال والإستيطان بكل أشكالهما.
ب) كما أن مجلس الأمن «يكرر مطالبته إسرائيل بأن توقف فوراً وعلى نحو كامل جميع الأنشطة الإستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وأن تحترم جميع إلتزاماتها القانونية في هذا الصدد إحتراماً كاملاً» (الفقرة 2 من القرار). و «يشدد على أن وقف جميع أنشطة الإستيطان الإسرائيلية أمر ضروري لإنقاذ حل الدولتين ويدعو إلى إتخاذ خطوات إيجابية على الفور لعكس مسار الإتجاهات السلبية القائمة على أرض الواقع، التي تهدد إمكانية تطبيق حل الدولتين»(الفقرة 4 من القرار).
3- في سياق رفض الإستيطان ورفض الإعتراف بنتائجه نشير أيضاً إلى الفقرة 3: «يؤكد (مجلس الأمن) أنه لن يعترف بأي تغييرات في خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس، سوى التغييرات التي يتفق عليها الطرفان من خلال المفاوضات». إن هذه الفقرة تنطوي على أكثر من بعد:
أ ) فهي تشدد على عدم الإعتراف بأي تغيير على خطوط الـ 67، بما يشمل القدس أيضاً، الأمر الذي لم يسبق أن ورد في قرارات أو مشاريع قرارات سابقة كانت تستخدم بوعي، عند تناول موضوع ترسيم الحدود، صيغ تؤدي إلى الإنتقاص من خطوط الـ 67، على غرار: حدود الـ 67 كأساس، أو كمرجعية، وليس باعتبار خطوط الرابع من حزيران (يونيو) 67 هي الحدود. وهذا ما يشمل أيضاً القرار 242 (وهو القرار – المرجع إلى جانب القرار 338 المعطوف عليه، في أي تسوية مطروحة)، الذي يبقي في نصه باللغة الإنجليزية على مسألة تمام (أو كامل) الأرض المحتلة عام 67 المُعَّرفة أيضاً بحدودها، مفتوحة على التأويل.
ب) وهي (أي الفقرة 3) لا تعترف مسبقاً بالحدود التي مازالت إسرائيل تسعى لفرضها كأمر واقع، إن كان بقرارات الضم المرسَّمة كالقدس بحدودها الموسعة، أو بقرارات الضم الزاحفة التي تشمل ما يسمى بالكتل الإستيطانية الرئيسية التي يكاد ينعقد شرط القبول بضمها لدى بعض الدول النافذة، لا بل ترسَّم القبول بها بمثال الإدارة الأميركية أثناء ولاية الرئيس بوش في رسالته( ) إلى شارون رئيس حكومة إسرائيل في 14/4/2004، التي لحظت ضم الكتل الإستيطانية الرئيسية إلى إسرائيل.
ج) وبالمقابل فإن هذه الفقرة بقدر ما تمنع المساس بحدود الـ 67 باعتبار التغيير رهن بالموافقة الفلسطينية، فإنها تفتح على نقيضها، أي الإنتقاص من هذه الحدود، بعد أن أجازت القيادة الفلسطينية الرسمية ما إصطلح على تسميته بـ «تبادل الأراضي»، حتى وإن أرفقته بشرط «التساوي في الكم والنوع» المغرق في سذاجته والذي لا يلزم الجانب الإسرائيلي بأية حال.

(5)
القرار 2334 والمفاوضات الفلسطينية - الاسرئيلية
1 –  في القرار 2334 ثمة دعوة واضحة، ترد في أكثر من سياق وتحتل مساحة معتبرة من النص، «إلى بدء مفاوضات ذات مصداقية»،
■ فالحيثية العاشرة من مقدمة القرار تنص على أن مجلس الأمن، «إذ يؤكد أن الوضع الراهن غير قابل للإستدامة، وأن ثمة حاجة ملحة إلى إتخاذ خطوات كبيرة، تتسق مع المرحلة الإنتقالية التي توضحها الإتفاقات السابقة، من أجل (1) تثبيت إستقرار الوضع وعكس مسار الإتجاهات السلبية المشهودة ميدانياً، والتي بسببها يتآكل حل الدولتين ويترسخ واقع الدولة الواحدة على نحو مطّرد و(2) تهيئة الظروف لنجاح مفاوضات الوضع النهائي وللدفع قدماً بحل الدولتين من خلال تلك المفاوضات وعلى الأرض»،
■ والفقرة 8 تشير إلى أن مجلس الأمن «يهيب بجميع الأطراف أن تواصل، في سبيل تعزيز السلام والأمن بذل الجهود الجماعية الرامية إلى بدء مفاوضات ذات مصداقية بشأن جميع مسائل الوضع النهائي في عملية السلام في الشرق الأوسط ضمن الإطار الزمني الذي حددته المجموعة الرباعية في بيانها المؤرخ في 21 أيلول (سبتمبر) 2010»، وهو البيان الذي أعربت فيه عن دعمها القوي لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية التي يمكن أن تحل كافة قضايا الوضع الدائم في غضون عام.
■ أما الفقرة 10، فهي تنص على مايلي: «يحث (مجلس الأمن) في هذا الصدد على تكثيف وتسريع وتيرة الجهود وأنشطة الدعم الدبلوماسية على الصعيدين الدولي والإقليمي من أجل تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط دون تأخير على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومرجعيات مدريد، بما في ذلك مبدأ الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية وخريطة الطريق التي وضعتها المجموعة الرباعية وإنهاء الإحتلال الإسرائيلي الذي بدأ في عام 67؛ (كما أن مجلس الأمن) يشدد في هذا الصدد على أهمية الجهود الجارية للدفع قدماً بمبادرة السلام العربية، ومبادرة فرنسا من أجل عقد مؤتمر دولي للسلام، والجهود التي بذلتها اللجنة الرباعية في الآونة الأخيرة، وكذلك الجهود التي تبذلها مصر والإتحاد الروسي».
2- إن الدعوة لـ «بدء مفاوضات ذات مصداقية بشأن جميع مسائل الوضع النهائي الخ..» لم تخرج عن صيغة إتفاقات أوسلو المعروفة، مع إستعادة المرجعيات التي ترد عادة في السياق: «مرجعيات مدريد، مبادرة السلام العربية، خريطة الطريق»، مع تعمد الإشارة المعوَّمة ودونما تحديد إلى قرارات الأمم المتحدة «ذات الصلة»(!). وأضافت إلى هذه المرجعيات مايلي: «مبادرة فرنسا من أجل عقد مؤتمر دولي للسلام، والجهود التي بذلتها اللجنة الرباعية في الآونة الأخيرة، وكذلك الجهود التي تبذلها مصر والإتحاد الروسي».
إن هذه الإضافات تقتضي فحصاً لمدى صلاحيتها – حالياً – لإعادة تفعيل المسار التفاوضي، والنتيجة التي سنصل إليها هي: أنها ليست واعدة وليست ذات جدوى، أو أن شروطها – في أحسن الأحوال – لم تنضج بعد:
أ) فـ«جمهورية مصر» بعد أن قطعت المبادرة الفرنسية الطريق عليها، لم تتجاوز حدود تبيان فوائد السلام للطرفين وإبداء الإستعداد للمساهمة في إعادة إطلاق العملية السياسية، وإستضافة فعالياتها ورعايتها الخ..؛ أما «جهود الإتحاد الروسي»، فهنالك بداية تحرك من قبل الدبلوماسية الروسية، ومن مؤشراته إستضافة إحدى جولات الحوار الوطني الفلسطيني في موسكو (17/1/2017) وتأكيد وزير الخارجية لافروف على سعي موسكو لتعديل نسبة القوى من أجل التوصل إلى حلول سياسية لأزمات المنطقة ومن ضمنها القضية الفلسطينية على طريق توفير شروط إنعقاد مؤتمر دولي في إطار الأمم المتحدة وعلى قاعدة قراراتها.
ب) وبالمقابل، فقد إتسمت «الجهود التي بذلتها اللجنة الرباعية في الآونة الأخيرة» بأعلى درجات التحيّز لإسرائيل، عبّر عنها تقريرها الصادر في 1/7/2016 من خلال مجموعة من المقاربات السلبية، ومنها: إحلال معادلة الإكتفاء بنقد الإستيطان في المناطق ج مع بقائه (بدلاً من إدانته والمطالبة بوقفه وتفكيك بؤره، كما تنص على ذلك خريطة الطريق المقدمة من الرباعية نفسها)، مقابل عدم حرمان الفلسطينيين من البناء والتطوير في المناطق ج (!) (أو بشكل أدق في 30% من مساحتها)؛ ومنها أيضاً الدعوة لبناء «إطار عمل أمني إقليمي» في سياق التأكيد على أهمية مبادرة السلام العربية، في تزوير متعمد ومفضوح لنص المبادرة ومقاصدها.
لقد إستدعت هذه «الجهود التي بذلتها اللجنة الرباعية الدولية» رداً قاسياً من اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف إعتبر أن تقرير الرباعية «يشكل خروجاً فاضحاً عن القانون الدولي والشرعية الدولية ذات العلاقة (..) ويخفض سقف الموقف الدولي من قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وأكدت (اللجنة التنفيذية) رفضها الحازم للمقاربات التي تضمنتها توصيات التقرير»، وإتخذت قراراً «بوقف اللقاءات مع الرباعية كإطار أو كيان بسبب الإنحياز الفاضح في التقرير والتوصيات إلى الموقف الإسرائيلي».
وفي هذا الإطار أيضاً، شكل لقاء الوفد الفلسطيني أثناء جولة الحوار في موسكو الآنف ذكرها مناسبة للتأكيد مجدداً على قرار اللجنة التنفيذية بوقف التعامل مع الرباعية، كما ولسماع ملاحظات الجانب الروسي الناقدة لأداء الرباعية وأسلوب ترجمتها لخطة خارطة الطريق.
ج) أما «مبادرة فرنسا من أجل عقد مؤتمر دولي للسلام» المطروحة منذ نيسان (إبريل) 2014، فقد تقلبّت على أكثر من صيغة قبل أن ترسو على إنعقاد مؤتمر باريس في (3/6/2016) خرج ببيان متحيّز لإسرائيل أعفى الإحتلال من مسؤولية إرتكاباته وخلا من آليات لتنفيذ توجهاته، ليعقبه مؤتمر آخر يوم 15/1/2017 بمشاركة واسعة (70 دولة إضافة إلى مؤسسات دولية وإقليمية) صدر عنه بيان إفتقر إلى آليات واضحة للمتابعة باستثناء إعلان الأطراف المشاركة عن إستعدادها للقاء مرة أخرى قبل نهاية العام (2017)، ومن بين الملاحظات العديدة التي يمكن أن تُبدى على هذا البيان أنه وضع القرار 2334 في مصاف تقرير اللجنة الرباعية (1/7/2016) سيء الصيت والذكر، كما أنه يفتقر إلى تصور واضح لخطة دولية فاعلة لإنهاء الإحتلال ضمن سقف زمني محدد الخ.. وفي كل الأحوال لا يوجد أفق للمبادرة الفرنسية لكي تشق الطريق أمام مؤتمر دولي حتى بوظيفة المظلة لمفاوضات ثنائية فلسطينية – إسرائيلية. فالعقبات التي تعترضها كبيرة، وليس أقلها – إضافة إلى إعتراض الحكومة الإسرائيلية – الموقف السلبي للإدارة الأميركية؛ هذا في فترة ولاية أوباما، فما بالك بعد أن آلت مقاليد الأمور إلى ترامب(!). وبالمحصلة فقد ثلم مؤتمر باريس مصداقية فرنسا كما كان قد عكسها – على سبيل المثال - قرار البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية) في نهاية العام 2014 بالإعتراف بالدولة الفلسطينية. وهذا تطور مؤسف للغاية، مازال بإمكان باريس تصويبه.
3-■ ما يتصمنه القرار 2334 في موضوع المفاوضات لا يخرج عن صيغة أوسلو بمرحلتيه (الإنتقالية والنهائية) وبآلية المفاوضات الثنائية (الفلسطينية - الإسرائيلية)، ما يترتب عليه: أ) إستكمال ما لم ينفذ من الإتفاقات الموقع عليها تحت مسمى «الحاجة الملحة إلى إتخاذ خطوات كبيرة تتسق مع المرحلة الإنتقالية»، و ب) «تهيئة الظروف لنجاح مفاوضات الوضع الدائم». ويترافق هذا مع إغفال عدد من قرارات الشرعية الدولية ومنها تلك التي تنص على الإعتراف بالدولة الفلسطينية كالقرار 1397 (2002) على سبيل المثال. أما الجهود التي يشير إليها القرار (كما في الفقرة 10) في السعي للتقدم نحو تحقيق السلام، فإنها تندرج إما في سياق الجهود التي مازالت في بدايتها (جهود مصر، والإتحاد الروسي)، أو في سياق مسار عقيم ومغلق الأفق (المبادرة الفرنسية)، أو حتى سلبي كما هو حال جهود الرباعية الدولية.
■ وبالنتيجة، فإننا نعتبر توسع القرار 1334 في تناول موضوع المفاوضات في ثلاثة مواقع من نصه، هو إقحام لموضوع كبير بسقف هابط وفي غير مكانه، لكنه، على سلبيته، لا يضعف من قوة القرار ووضوحه القاطع في التعرض الشاجب والرافض للإستيطان.
إن الجهد الفلسطيني ينبغي أن ينصب على إنعقاد مؤتمر دولي تحت رعاية مجلس الأمن بموجب قرارات الشرعية الدولية، بعيداً عن المفاوضات الثنائية عقيمة النتائج بالرعاية الأميركية. إن الإنجازات المتواترة التي تحققها القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي تزكي هذا الخيار، خاصة بعد إتخاذ القرار 19/67 (29/11/2012) الذي «يعيد تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما في ذلك الحق في أن تكون له دولته المستقلة، فلسطين (..) على أساس حدود ما قبل 1967 (..) وحل مشكلة اللاجئين على نحو عادل وفقاً للقرار 194»، الذي يجعل من موضوع أي مفاوضات تنعقد هو البحث بالآلية والجدولة الزمنية لبسط دولة فلسطين سيادتها على عاصمتها (القدس) وكامل أراضيها (المحتلة عام 67) وحتى حدودها (4 حزيران/ يونيو).

(6)
المأخذ الرئيسي على القرار 2334

1- .. هو الذي تمثله الحيثية السابعة من مقدمة القرار 2334 التي تشير «.. إلى الإلتزام الذي تقضي به خريطة الطريق التي وضعتها المجموعة الرباعية بأن تداوم قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على القيام بعمليات فعّالة بهدف مواجهة جميع العناصر التي تمارس الإرهاب وتفكيك قدرات الإرهابيين، بما في ذلك مصادرة الأسلحة غير المشروعة»، ما يشكل إستعادة لما ورد في المرحلة الأولى من خطة خارطة الطريق التي طالبت القيادة الفلسطينية من خلال أجهزتها الأمنية تحديداً بتفكيك البنية التحتية «للإرهاب»(!) لجر الحالة الفلسطينية إلى الإقتتال الداخلي.
لقد إستطاعت السلطة الفلسطينية، في حينها، تجاوز هذا المنعطف الخطير بتحركات سياسية على المستويين الإقليمي والدولي، تمكنت خلالها من إقناع الأطراف المعنية باستبدال «تفكيك البنية التحتية للإرهاب» بوقف شامل لإطلاق النار تلتزم به الأجنحة العسكرية وتضمن السلطة الفلسطينية تنفيذه. وهذا ما حصل، عندما أعلنت الفصائل المقاتلة في 29/6/2003 تعليق العمليات العسكرية ضد الإحتلال وقواته ومستوطنيه. غير أن وقف إطلاق النار إنهار بعد 51 يوماً على ولادته بفعل تعنت الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسها شارون ورفضها الإعتراف باستحقاقات القرار وإصرارها على مواصلة سياسة العدوان والإغتيالات الخ..
2- إذا ما إستثنينا ما ورد في الفقرة 6 من القرار حول «تعزيز الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك من خلال أنشطة التنسيق الأمني القائمة» التي تتناقض مع قرار الدورة 27 للمجلس المركزي لـ م.ت.ف (آذار/ مارس 2015) الواضح والقاطع بوقف التنسيق الأمني، فالمقاطع الأخرى من القرار التي تتناول «أعمال التحريض والعنف والإرهاب» الخ.. إنما تعتمد أسلوب المخاطبة العامة التي لا تتوجه – من حيث الصياغة – إلى طرف بعينه، بل إلى الطرفين معاً.
■ فالحيثية الثامنة من مقدمة القرار تتضمن إدانة لـ «جميع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك أعمال الإرهاب، وكذلك جميع أعمال الإستفزاز والتحريض والتدمير»،
■ وفي الفقرة 6 من القرار يدعو فيها مجلس الأمن «إلى إتخاذ خطوات فورية لمنع جميع أعمال العنف ضد المدنيين، بما في ذلك أعمال الإرهاب، وكذلك جميع أعمال الإستفزاز والتدمير، ويدعو إلى إعمال المساءلة في هذا الصدد، ويدعو إلى التقيد بالإلتزامات بموجب القانون الدولي من أجل تعزيز الجهود الجارية لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك من خلال أنشطة التنسيق الأمنية القائمة، وإلى إدانة جميع أعمال الإرهاب بوضوح»،
■ أما الفقرة 7 من القرار، فأنها – على لسان مجلس الأمن - «تهيب بالطرفين أن يتصرفا وفقاً للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، والإتفاقات والإلتزامات السابقة بينهما، وأن يلتزما الهدوء وضبط النفس، وأن يمتنعا عن أعمال الإستفزاز والتحريض والخطابات الملهبة للمشاعر، بهدف تحقيق جملة أمور منها وقف تصاعد الحالة على أرض الواقع، مما يفضي إلى إعادة بناء الثقة، والعمل من خلال السياسات والإجراءات على إظهار إلتزام حقيقي بحل الدولتين، وتهيئة الظروف اللازمة لتعزيز السلام»،
3- إن هذه الصياغة، المحايدة أسلوباً، إنما تجسد التحيّز بعينه إلى الجانب الإسرائيلي، فهي غير متوازنة من حيث المضمون، فالمخاطبة العامة القائمة على دعوة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي الإلتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك «القانون الدولي الإنساني، واٍلإتفاقات والإلتزامات السابقة بينهما»، هذه الدعوة تتجاهل عمداً جرائم إسرائيل وإنتهاكاتها اليومية لحقوق الإنسان الفلسطيني تحت الإحتلال الذي هو بعرف القانون الدولي «عدوان مستدام»، كما وتحت الاستيطان، لا بل التهويد الذي يمثل ذروة هذا العدوان.

(7)
خلاصات

1– القرار 2334 هو قرار مناهض للإستيطان بكل أوجهه، فهو لا يميّز بين تهويد في القدس أو الخليل وإستيطان آخر في سائر المناطق المحتلة بعدوان الـ 67؛ ولا يقيم فارقاً بين كتل إستيطانية كبيرة وأخرى أقل حجماً؛ أو مستوطنات أُقيمت على أراضي دولة وأخرى بنيت على أراضٍ خاصة؛ وهو لا يدخلنا في متاهة التمييز بين بؤر إستيطانية ومستوطنات قائمة، ولا بين مستوطنات محاذية للخط الأخضر وأخرى في الأغوار الخ.. القرار 2334 يدين الإستيطان بكل أشكاله ولا يعترف بنتائجه، فليس للإستيطان أي شرعية قانونية، ويشكل بالتالي إنتهاكاً صارخاً للقانون الدولي؛ والقرار يطالب إسرائيل بوقف جميع الأنشطة الإستيطانية ولا يعترف بأي تغييرات في حدود الـ 67 الخ..
2- أهمية القرار 2334 لا تعود إلى قوة النص فحسب، تماسكه وشموله، بل أيضاً إلى كونه القرار الأول حول الإستيطان الذي يصدر عن مجلس الأمن بعد غياب مديد ناجم عن إعتبار مركز القرار في السياسة الدولية، أن الملف الفلسطيني ومن ضمنه موضوع الإستيطان مُحال إلى العملية التفاوضية التي إفتتحها مؤتمر مدريد في أواخر العام 1991. ومن هذه الزاوية تحديداً، نستطيع أن نقول أن القرار 2334 قد أعاد موضوع الإستيطان إلى المكانة السياسية والقانونية التي كان يشغلها قبل أن تصادرها عملية تفاوضية متعثرة وعقيمة.
3- بالتوازي مع إنسداد قنوات الحلول السياسية التفاوضية، فإن إستعادة موضوع الإستيطان لمكانته السياسية والقانونية في مجرى النضال الوطني التحرري، هو أحد أوجه تصاعد منحى تدويل المسألة الوطنية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، أدى إلى توسيع دائرة الإعتراف بالدولة الفلسطينية وسائر الحقوق الوطنية، وإلى توسيع مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية في عضوية المؤسسات الدولية، فضلاً عن التقدم في تفعيل أدوات القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والشرعية الدولية بوجهة المزيد من الضغط على الإحتلال ومحاكمة ممارساته ومقاضاة أفراده..
4- ما سبق لا يعني أن إسرائيل ستلتزم بالقرار 2334 أو ستبطيء وتيرة التهويد والإستيطان، فوقائع الميدان تؤكد العكس تماماً، ودعوات وزراء الحكومة وكتلتها البرلمانية لم تعد تكتفي بتوسيع الإستيطان، بل باتت تطالب بالضم الرسمي للكتل الإستيطانة الكبرى أو للقسم الأهم منها.
أما الموقف الأميركي الذي أظهر مرونة وإيجابية بتمريره القرار 2334، فثمة وقائع تؤشر – خاصة بعد مجيء الإدارة الجديدة وعلى رأسها ترامب – إلى عودتها للإقتراب من الإصطفاف، إن لم يكن الإصطفاف بعينه، على نسق السياسة الإسرائيلية في الموضوع الفلسطيني. ومن مؤشرات هذا المنحى تصويت مجلس النواب في 6/1/2017، أي بعد أسبوعين من صدور القرار 2334، بأغلبية 342 مقابل 80 صوتاً إلى جانب قرار يطالب بسحب قرار مجلس الأمن الرقم 2334 أو تعديله «كيلا يظل أحادي الجانب ومناهضاً لإسرائيل، ويتيح التوصل إلى حل للنزاع عن طريق مفاوضات مباشرة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني»، كما يطالب الحكومة الأميركية الإعتراض وإستخدام الفيتو ضد كل قرار مستقبلي في مجلس الأمن الدولي يسعى لفرض حلول لقضايا الحل النهائي أو يكون أحادي الجانب أو مناهضاً لإسرائيل»(!).
5- ومع ذلك، يبقى القرار 2334 بنصه وبالمناخ الدولي الذي يعكسه، وهو مناخ مؤاتي لمطلب إنهاء الإحتلال الذي يعطله إستمرار الإستيطان، يبقى سلاحاً باليد لمواجهة إسرائيل، وتبقى تأثيراته واضحة على مستوى إتساع نطاق التضامن الدولي وتعميق عزلة إسرائيل وإدانة سياستها الإستيطانية ورفع الغطاء السياسي والقانوني عنها، وتحميلها مسؤولية تعطيل مسيرة السلام في المنطقة الخ..، الأمر الذي بدوره يستوجب توفير ثلاثة عوامل معاً:
■ الأول هو تصعيد فعاليات مقاومة الإستيطان والدفاع عن الأرض في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 (بما في ذلك في قطاع غزة) وبالتوازي والتكامل مع فعاليات الحركة الشعبية الواسعة ذات الصلة الـ 48. وفي إمتداد هذا الجهد في الميدان توسيع حملة مقاطعة المستوطنات (وقف العمل فيها، مقاطعة منتجاتها ومؤسساتها، بما في ذلك الأكاديمية منها..) في فلسطين وخارجها (BDS).
■ الثاني هو مغادرة القيادة الفلسطينية الرسمية لأسلوبها الإنتظاري الذي يكتفي بتجميع القرارات الدولية و«كنزها» دون تفعيلها أو إستثمارها في المواجهة السياسية اليومية، والأمثلة على ذلك عديدة من فتوى لاهاي إلى تقرير غولدستون عن العدوان على قطاع غزة (2008/2009) وإنتهاء بتفعيل الدعاوى على إنتهاكات وجرائم حرب إسرائيل أمام محكمة الجنايات الدولية.
■ والثالث هو السعي الجاد لتجاوز الإنقسام، ما يستوجب بدوره، من بين أمور أخرى، إعتماد إستراتيجية وطنية أخرى بديلة. وهذا ما يقود إلى بحث آخر يفيض عن إطار هذه المطالعة.


فهد السليمان / نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
كانون الثاني 2017

جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013