الفكر القومي بين الواقع والنظر التقارير والمقالات | الفكر القومي بين الواقع والنظر
تاريخ النشر: 16-10-2016

بقلم: الدكتور عهد كمال شلغين
في الخمسينات من القرن العشرين كان الحدث الأكبر في تاريخ القومية العربية المتمثل في تأميم قناة السويس، وما نتج عنه من قيام العدوان الثلاثي على مصر، وتأجّج المشاعر القومية، حيث اشتد تيار القومية العربية وعلا موجها، وأصبح كثير من العرب يتطلعون إلى توحيد العالم العربي – سياسياً – تحت زعامة رئيس واحد هو جمال عبد الناصر، يرفع راية القومية العربية ويعمل على إقامة دولة عربية موحدة، وبدأت تزداد الشعارات العريضة والآمال الكبرى لدى الإنسان العربي وتعميق انتمائه ووعيه لهوية قومية موحدة يمكن أن يرى فيها الحل الأمثل لواقعه والإجابة عن انتمائه ومصيره. ويمكن القول أن هذا الفكر قد شكل إيديولوجية عاش بها القوميون العرب في عقدي الخمسينات والستينات وكانت إيديولوجية طوباوية إلى أبعد حد، فهي لم تبحث عن فكرة الوحدة الشاملة بقدر ما ركزت على مركز رئيسي لبعث القومية، مما أبعد الوحدة الاندماجية الشاملة وبالوقت نفسه رفضت الشكل الاتحادي خوفاً من تكريس فكرة القطرية ليتحول الأمر إلى جانب طوباوي حالم.
من هنا بدأ التلّميح بعدها بسقوط القومية إذ دخلت القومية في مرحلة الريبة والقلق، وخصوصاً أن هناك من اعتبر الخطاب القومي قد انتهى مع تشكيل الدولة القطرية، وما هو معيش لا يزيد عن كونه حلماً إيديولوجياً على أساس أن وجدود القطرية أصبح نقيض موضوعي للفكر القومي مصدرين القطرية بوصفها حقيقة دولية عربية، اجتماعية واقتصادية ونفسية لم يعد من الممكن القفز فوقها حتى على صعيد الحلم.
وبالعودة إلى هذا الكلام نجد أنه متناقض مع ذاته إذ إنّ القطرية لا يمكن أن تكون ظاهرة موضوعية بل هي وليدة ظروف اصطنعتها قوى غريبة بإسهام عربي، وإنما الحالة الموضوعية الحقيقية هي كون الأمة العربية أمة واحدة لها وجود أصيل.
كان هذا الخطاب المتناقض بمثابة بيان للانقلاب على الفكر القومي في تلك المرحلة من الواقع المعاصر ليترافق مع المأساة الكبرى التي وجهت إلى لفكر القومي وبخاصة شخصية "جمال عبد الناصر" متمثلة "بالضربة القوية للحلم القومي العربي في نكسة 1967م ، فاتجهت تيارات قومية نحو اليسار، بينما ذهبت اتجاهات أخرى نحو الإسلام تفتش عن مساحة للمصالحة والتوفيق والمساومة، فبدأت الفكرة القومية تخسر ذاتها وخصوصيتها وفعلها ودورها. لتتبدد الآمال ويشتد السؤال من جديد من نحن العرب؟ وما هي هويتنا؟ وكيف نصنع مستقبلنا؟
من خلال ذلك أصبحت القومية العربية التي كانت حلم معظم العرب لإثبات وجودهم ومصيرهم بوصفها أمة في مرحلة حرجة تحتاج إلى بدائل وصياغة جديدة في الفكر والخطاب، ونظرتها إلى الأمة وخصوصاً ما خلفته هزيمة حزيران 67 من انشقاقات في الوعي العربي المشترك للقوميين أنفسهم، ليدخل بعدها الفكر القومي بإيديولوجيته في مرحلته الأخيرة التي عدّها بعضهم اندثاراً للفكر القومي، وذلك من خلال عقد اتفاقيات التسوية المنفردة مع إسرائيل وهيمنة المشروع الأمريكي في المنطقة عبر القواعد العسكرية، واحتلال العراق وتحول أنظمة قومية عربية باتجاه العزلة القطرية، والتخلي عن المشروع القومي، وتراجع حركات التحرر القومية وإخفاقات الأحزاب والمنظمات القومية، وصعود الحركات الإسلامية المقاومة، تراجعت الفكرة القومية إلى خطوط الدفاع واضطرت معظم الحركات القومية إلى تبّني شعارات إسلامية، وأصبح الإسلام هو مضمون القومية العربية ورسالتها، وأصبح الخطاب القومي إسلامياً.
يبدأ بعد ذلك نقاد الفكر القومي بإعادة تحليله وتحليل أسباب وصوله إلى ما وصل إليه بتقديم نظرياتهم حول هذا الخطاب، من غير أن يقدم ذلك أي جديد سوى وصف للحالة العربية.
فصحيح أنّ الفكر القومي عبر عن ثقافة عربية جديدة محاولاً الحفاظ على الهوية العربية، ووجودها، وطرحها من جديد محاولاً تجسيد وعي الأمة ذاتَها، وتنبيهها للأخطار المحدقة بها، وزرع الفكر التحرري من خلال محاولة إيقاظ العرب والأمة العربية في محاولة لإعادة تشكيل ذاتها ومواجهة زعزعة هويتها وطمس معالمها، إلا أنّ الخطى القومية لم تكن خطى مدروسة بصورة واقعية، ويمكن القول: إن الواقع لم يحمل إمكانية تغييره في حيز التطبيق العملي، مما جعل هناك فجوة بين الجانب النظري للخطاب القومي والواقع العربي، فبناء هوية قومية دفعة واحدة في ظل مجموعة من الانتماءات الضيقة، والإيديولوجيات المتعددة لدى الإنسان العربي يحتاج إلى تغيير جذري في الأرضية الفكرية للوعي العربي بانتمائه وهويته. ناهيك أن القومية العربية هوية حداثية تشمل تسييسا للانتماء الثقافي، وتشكل جماعة متخيلة مثل كل القوميات الحديثة، ولكنها كإيديولوجية تقع في خطر الفكر الشمولي فكان الهم الأساسي هو تحديد ملامح الهوية القومية " فمن نحن كعرب " كان الهاجس الأساسي لدى القوميين مما جعلهم بعيدين عن التطورات العالمية وعن قضايا الشعب الأساسية.
فالقومية العربية إذا لم تكن نابعة من صميم واقعنا العربي المعيش فلن تؤدي الغرض المطلوب منها، وهذا ما أكده ميشيل عفلق بقوله: "كل تفسير للقومية العربية لا ينبعث من صميمها، انبعاث الغرسة من الأرض والسنبلة من القمحة، يكون تفسيراً ضالاً جامداً ميتاً، وكل نظرية عن العروبة يصح أن تقال عن فرنسة في القرن الثامن عشر وعن اليونان في عهد أفلاطون، نظرية زائفة آلية، لأنها لا تنبئ عن خصائص المكان ولا يستشف منها انسياب الزمان."
فلابد للعمل القومي أن يكون واقعياً مجرد نظريات علمية فقط، فالقومية ليست علماً بل هي تذكر حي.
بالإضافة إلى ذلك كانت آمال الفكر القومي أكبر من واقعه أي أن طموحاته قد خرجت من حدود الإمكان لتتحول إلى إيديولوجية شاملة، مما أبعدها عن الهدف الرئيسي في تشكيل الأمة الدولة والوقوف عند مستقبلها، وفي الوقت نفسه إن عجز الخطاب في مسألة الدولة القومية أغنى طويلاً بالتفكير في معنى الأمة وبناء مضمونها وانصرف إلى البحث عن الموارد المختلفة(اللغوية والثقافية والدينية والتاريخية..) التي صنعتها، لكنه قلما فكر في معنى الدولة القومية وفي مضمونها السياسي والاجتماعي، وهكذا جرى استدماج إشكالية الهوية في نطاق إنتروبو ثقافي اهتم بالتاريخ والمواريث الاجتماعية والثقافية ليجري معه – بالتوازي – تجاهل أبعادها السياسية المعاصرة والعصرية التي فيها_ بل التي هي_ الأس الأساسي في مسألة الهوية.
لهذا كان العمل هنا منصب على تحديد الهوية واستحضار الهوية العربية من الماضي إلى الواقع الحاضر، وهذا بحد ذاته يمثل إشكالية؛ إذ إن الارتداد إلى الماضي بحد ذاته هو أزمة هوية وعجز وعدم قدرة على طرح البدائل ومواكبة الواقع وصياغته، مما يحول الخطاب الواقعي إلى خطاب (يوتوبي) نوعاً ما؛ فصحيح أن هناك "مجموعة من السمات العامة التي تميز شعباً أو أمة ما في مرحلة تاريخية معينة، ولكن عندما نرى أن هذه السمات متأصلة في التركيب الفعلي النفسي ذاته منذ أزمان بعيدة وممعنة في القدم فإن المفهوم يصبح ميتافيزيقياً."
فمحاولة المحافظة على جوهر ثابت لا تغيير فيه يجعل العقل يدور في دوغمائية مغلقة يحوله فيما بعد إلى إيديولوجية طوباوية لا جديد فيها. فلا بد للهوية القومية أن تكون "هوية نسبية وتاريخية تفاعليه.
ومن المسائل الخطيرة التي بدأت مع الفكر القومي التأثرُ بالحركات القومية العالمية، ومحاولة تطبيق بعضها على الواقع العربيّ، دون الموازنة والمقارنة مع إمكانات تلك المجتمعات وأوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وبهذا يقول عفلق: "إن إقبالا شديداً كالذي نراه على هذا الموضوع ليخيف أكثر مما يطمئن، لأنه كثير الشبه بالإقبال على زي جديد من أزياء اللباس واللهو، والرأي الجديد سرعان ما يصبح قديماً ويهجر بمثل الشدة التي قُبِلَ بها، وكل ذلك لأنّ "قوميتنا" أيضاً تأتينا من الخارج بدلاً من أن تنبعث من أعماقنا، فأن نجعل قوميتنا-وهي أساس حياتنا- نظرية من النظريات فنتركها عرضة لتقلبات المنطق والذوق والهوى، فننادي بها اليوم ونؤثر بها اليوم ونؤثر عليها الأممية والشيوعية غداً وتعتنق الدعوة الدينية غداً." إنما نحن بذلك نساهم في السعي إلى القضاء عليها.
من هنا على الفكر القومي أن يكون فكراً واقعياً قابلاً للتجديد منطلقاً من ممكنات الواقع، فقد لازم الفكر القومي مسألة الحتمية التاريخية للأمة من منطلق تاريخي، من غير أن يحاول التجديد؛ بل حاول الارتداد إلى الماضي وبناء الأمة على أساسه من غير الأخذ بالحسبان كل التغيرات والتشكيلات العالمية الجديدة متسارعة الخطى وما حدث من تغيير حتى في وعي الإنسان ذاته على مر تلك القرون فقد نهض من سباته بعد قرون عديدة من التشرذم والضياع، وفي ذلك حرق لمراحل عديدة لم تمر بها الأمة العربية فلا تتم هذه الولادة القسرية بصورة طبيعيةٍ لتشكل الأمم.
فقد عصفت بالأمة مجموعة أحداث مفصلية غيرت تاريخها، وكان لابد من أخذها بعين الاهتمام في محاولة تشكيل هذا الوعي الجديد، فصحيح أن لنا أمجاداً وتاريخاً مشتركاً وهويةً قديمةً كما يقال، ولكن هناك هزائم وانحدارات كونت فينا وعياً مخالفاً وتركت أثراً بالغاً في وعينا وطريقة تفكيرنا.
فهذا التصور الثابت للهوية سيؤدي إلى القضاء على احتمال أي مستقبل عربي جديد لأنها تلغي أي تجديد للماضي أو الحاضر، فالماهيات التي كانت تعطيها هذه المفاهيم للهوية العربية كانت في طبيعتها تقف خارج العقلية العلمية الحديثة أو ضدها، وذلك لأنها تقترن في ذاتها بوجود سابق أو حالي لا يقوم في هذه العقلية.
ونهاية القول: إن إعطاء الهوية القومية مقومات ثابتة ميتافيزيقيا خارجاً عن المنطلقات العملية والأوضاع الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية والسياسية والثقافية... الخ المتغيرة، جعل خلق المستقبل العربي الجديد فيه نوع من الخيال يضعه في حالة من العجز بسبب الثبات في مواقفه.
وبعد بداية القرن الحادي والعشرين نرى اليوم أن هناك من يحاول إعادة صياغة القومية العربية ليعود ويعول عليها الآمال من جديد، لتأخذ حيزاً من المؤتمرات والخطابات والشعارات، ولعل المهمة اليوم أصعب من سابقتها في ظل التدهور العربي في شتى المجالات وفي ظل أسلوب جديد من الهيمنة الخارجية متمثلاً في الاحتلال المباشر أحياناً والتبعية من جهة أخرى وفي ظل العولمة التي تسعى إلى القضاء على كل القوميات وإلغاء خصوصية أي هوية.
وإذا ما أردنا لقوميتنا العربية أن تكون قومية فاعلة في مجتمعنا فلابد لنا أن نكون واعين لعمق هذه القومية وإخراجها من دائرة الخطاب الإيديولوجي النظري، وبحسب رأي عفلق "إنّ القومية العربية ليست نظرية ولكنها مبعث النظريات، ولا هي وليدة الفكر بل مرضعتُه، وليست مستعبدة الفن بل نبعُه وروحُه، وليس بين الحرية وبينها تضاد، لأنها هي الحرية، إذا ما انطلقت من سيرها الطبيعي وتحققت من قدرتها.
فلا بد من وعي الفكر القومي قبل التفكير في اعتناقه وأن تكون القومية العربية قومية من الواقع للنهوض بالأمة العربية.


تنويه | المقالات المنشورة في الموقع تمثل رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أسرة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013