من يتخطّى الخطوط الحمر اولاً :"اسرائيل" ام المقاومة؟ المقاومة القانونية | توثيق جرائم الصهيونية | من يتخطّى الخطوط الحمر اولاً :"اسرائيل" ام المقاومة؟
تاريخ النشر: 20-10-2023

بقلم: الدكتور عصام نعمان
 
في اليوم التاسع لـِ "طوفان الأقصى" إرتمست على لوحة الصراع واقعاتٌ وتحوّلاتٌ وتحدياتٌ كثيرة ، بعضها مبهج وبعضها الآخر مقلق.
لعل أبرز الواقعات وأسطعها صمودُ "حماس" وسائر فصائل المقاومة المؤازرة لها في غزة وقدرتها على الإحتفاظ بفعاليتها القتالية من خلال إمطار المواقع والمستوطنات الإسرائيلية بالآف الصواريخ والقذائف التي تعدّت غلاف غزة وصولاً الى تل ابيب وحيفا  وحتى صفد في شمال فلسطين المحتلة غير البعيدة عن الحدود مع لبنان . كل ذلك جرى ويجري ردّاً على تصعيد "اسرائيل" قصفها الجوي التدميري لغزة ولسائر أنحاء القطاع ما أدى الى إرتقاء المزيد من الشهداء ، معظمهم من النساء والأطفال .
إذ تقصّدت "اسرائيل" تهجير سكان القطاع الى خارجه ، تحديداً الى مصر ، فقد ألقت طائراتها الحربية مناشير تدعوهم للتوجّه الى جنوب القطاع والى مصر الأمر الذي سارعت القاهرة الى رفضه وإبقاء معبر رفح مغلقاً .
في مواكبة هذه التطورات ، أنهى وزير الخارجية الاميركي انطوني بلينكن زيارته لـِ "اسرائيل"  وإتصالاته بزعمائها ، وتوجّه الى الاردن حيث إجتمع الى كلٍّ من الملك عبد الله الثاني ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وأبلغهما موافقة واشنطن على ترحيل سكان غزة الى منطقة العريش في صحراء سيناء المصرية ، ومحاولاً طمأنتهم بأن مكوثهم هناك سيكون مؤقتاً ، لكنه أخفى عنهما مشروع اميركا بإبعاد فصائل المقاومة عن القطاع ووضعه تحت سلطة الأمم المتحدة وقواتها الدولية. غير ان الملك عبد الله ومحمود عباس رفضا الموافقة على ترحيل سكان القطاع الى العريش وطالبا بوقف العدوان الجوّي الإسرائيلي التدميري لقطاع غزة.
لعل أبرز التحوّلات تكثيفُ الولايات المتحدة حشدها البحري في شرق البحر المتوسط بنشر المزيد من حاملات الطائرات والمدمرات والبوارج ، متوّجةً ذلك كله بإيفاد وزير الدفاع لويد أوستن الى "اسرائيل" غداةَ إنتهاء زيارة وزير الخارجية بلينكن لتأكيد دعمها المتصاعد ، سياسياً وعسكرياً ، للكيان الصهيوني. 
      ترافقت زيارتا بلينكن واوستن مع إعلان ناطق بإسم القيادة المركزية الاميركية ان قوات بلاده المتمركزة في أنحاء المنطقة "تراقب الفصائل المتحالفة  مع ايران والتي من المحتمل أن تفتح جبهات جديدة بعد عملية طوفان الأقصى".
في المقابل ، قام وزير خارجية ايران حسين أمير عبد اللهيان بزياراتٍ سريعة الى بيروت ودمشق والدوحة أكّد خلالها تضامن بلاده مع المقاومة الفلسطينية ، وشدّد على إمتلاكها من القدرات ما يمكّنها من ردع الهجوم البريّ الإسرائيلي المتوقع على قطاع غزة ، وأن توقيت تدخل أطراف محور المقاومة لمساندتها متروك لها.
     أما أبرز التحّديات واخطرها فهو مَن سيكون البادىء بتجاوز الخطوط الحمر ومباشرة الهجوم ضد الآخر : "اسرائيل" ومن خلفها الولايات المتحدة ، ام "حماس" بدعمٍ ومشاركة من حزب الله ؟
أرى انه من الصعب جداً إعطاء جوابٍ دقيق في هذه الآونة لأن الصراع ما زال في بداياته ، ولأن أحداثاً ومواجهات كثيرة ستقع في كلٍّ من الجبهات الثلاث التي يحتدم فيها الصراع : قطاع غزة ، الضفة الغربية ، ومنطقة الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة.
الى ذلك لم تستفق "اسرائيل" بعد من صدمة "طوفان الأقصى" المدوّية التي تسبّبت بأزمة سياسية داخلية ، كما وضعت "اسرائيل" في وجه ما يعتبره معظم قواها السياسية خطراً وجودياً يهددها بالزوال الامر الذي يستوجب إجراء حسابات دقيقة لما لديها من قدرات وموارد وقوى عسكرية وحلفاء موثوقين قبل إتخاذ القرار بإقتحام القطاع الذي توجد فيه تحت مدينة غزة مدينة اخرى من الأنفاق بمئات الكيلومترات ، ومخازن للأسلحة الثقيلة والصواريخ بمختلف الأنواع والأمداء ، وألوف المقاتلين المتدربين والمتعطشين للدفاع عن أرضهم وقضيتهم.
في هذه الأثناء ، تتابع "اسرائيل" ما تسميه "عملية تليين" العوائق والتحصينات التي تعيق تقدّم قواتها ومدرعاتها في غزة مصحوبةً بعملية اكثر تدميراً هي إزالة مساكن الناس والمستشفيات والمساجد ومرافق الماء والكهرباء بقصد دفع الأهالي الى الهرب والتوجّه جنوباً . بنتيجة هذه المنهجية الوحشية يتوقع قادة الكيان العدواني ان يتجمّع عشرات الآلاف من المصابين والجرحى والجوعى والمعاقين قرب معبر رفح لينادوا بوقف القصف بغية العودة الى ما تبقّى من منازلهم او... السماح لهم بالعبور الى الاراضي المصرية.
التحدّي الأخطر هو تواطؤ ادارة الرئيس جو بايدن مع حكومة بنيامين نتنياهو على تنفيذ هذا المخطط الجهنمي ، إذ بينما يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بالتدمير المنهجي للمنازل والمستشفيات والمساجد والمرافق العامة في مدينة غزة لدفع الأهالي الى الهرب والتوجه بعيداً منها ، تقوم واشنطن بالضغط على مصر للقبول ليس بفتح معبر رفح فحسب امام الفلسطينيين الجرحى والجوعى والمروّعين المتجمعين قبالة المعبر المذكور بل ايضاً لمطالبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالموافقة على إقامة مخيمات في منطقة العريش لإيواء الفلسطينيين المهجّرين والمشردين مع وعدٍ بتوفير مساعداتٍ ودعم مالي لمصر بمليارات الدولارات.
"حماس" وسائر فصائل المقاومة في قطاع غزة ما زالت صامدة عسكرياً ورافضة بقوةٍ تهجير وترحيل سكان القطاع الى العريش ، بينما شعوب الأمة في شتى أقطارها تتظاهر رافضةً مخطط التهجير والترحيل وهاتفةً بشعارات العداء لأميركا ودول الغرب. لكن الى متى يمكن تمديد اجل هذه الحال المزرية ؟ الى متى يستطيع الأهالي الصبر على هذا الهوان ؟ الى متى يمكن ان يصبر مجاهدو فصائل المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية وأخوتهم المقاومون في لبنان وسوريا والعراق واليمن الذين ما زالت أصابعهم على زناد أسلحتهم الخفيفة والثقيلة ؟
لا غلوّ في القول إن قيادات المقاومات العربية في كل مكان ستجد نفسها في قابل الأيام امام خيارين : إما متابعة الإشتباك بالنار مع العدو ومطالبة أطراف محور المقاومة الوفاء بوعدٍ قطعته للدعم والمشاركة في تحمل أعباء مواجهة العدو، وإما ان ترى فصائل المقاومة نفسها مضطرةً على مضض الى قبول ترحيل عشرات الآلاف من سكان قطاع غزة  الى مصر إتقاءً لنكبة ثانية تحلّ بالشعب الفلسطيني بعد مرور 75 سنة على نكبته الاولى سنة 1948.
المقاومة الفلسطينية كما الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات صامدان وصابران ومثابران على الكفاح من اجل التحرير والعودة . لكن ماذا عن "اسرائيل" واميركا اذا ما أُسقط بأيدهما إزاء إستمرار المقاومة وشعوب الأمة في الصمود والقتال ، وفشل مخطط إقناع قادة مصر والاردن وغيرهما بقبول تهجير وترحيل فلسطيني قطاع غزة الى سيناء وأغوار الأردن ؟
ماذا لو قررت واشنطن تجاهل التظاهرات العارمة في كل أنحاء عالم العرب والإسلام ، وتظاهرات الأحرار في شتى الأقطار من فنزويلا وغرب اوروبا الى سنغافورا وماليزيا واستراليا ... ماذا لو قررت واشنطن تجاهل سخط ملايين البشر عليها وسمحت لـِ "اسرائيل" بمتابعة التدمير المنهجي لقطاع غزة وتهجير سكانه المدنيين الأبرياء ؟ ألا تكون قد تجاوزت الخطوط الحمر وأصبح من حق فصائل المقاومة في قطاع غزة بل من واجبها مطالبة أطراف محور المقاومة بأن يفوا بوعدهم ويشاركوها في  ملحمة "طوفان فلسطين كلها من النهر الى البحر" من اجل التحرير والعودة ؟

جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013