الكوميديا الديبلوماسيّة في لبنان* التقارير والمقالات | الكوميديا الديبلوماسيّة في لبنان*
تاريخ النشر: 20-08-2023

بقلم: نبيه البرجي

ما الشيء الذي سيحدث في المنطقة، وتكون له تداعياته الدراماتيكية على المشهد اللبناني؟ هذا ما يراهن عليه رئيس أحد الأحزاب، وما يشيعه همساً أحد نواب كتلته، الذي يفترض أن يكون الأقل غرائزية بين أعضاء الكتلة.

هل المقصود انفجار الوضع في سوريا بسبب الاحتقان الاقتصادي، الذي يزداد هولاً يوماً بعد يوم، والذي أحدثه حصار أميركي لا نظير له في التاريخ؟ ثمة قنوات أو صحف غربية تتحدث عن سوريا كمن يتوقع الانفجار في أي لحظة. النار من البوابة الاجتماعية لا من البوابة السياسية، ولا من البوابة الطائفية أو الاثنية.


صحيح أن معاناة الناس في ذروتها، وقد بلغت حدوداً تراجيدية، ولكن ما النظام البديل سوى الفوضى الدموية الأبدية، بالنظر لتعدد الاحتلالات (الأميركي والتركي و"الاسرائيلي") ناهيك بتموضع عشرات آلاف المسلحين بتلك الحمولة الايديولوجية التي لا تليق حتى بالقردة؟
على الجانب الآخر من البانوراما الشرق أوسطية (أوليفييه روا وصفها بالبانوراما الاغريقية) حدث يدعو الى شيء من التفاؤل ، تطور لافت وواعد في العلاقات السعودية ـ الايرانية. مصادر خليجية موثوق بها تؤكد أن اللقاء المرتقب بين قيادتي البلدين سيتطرق الى مسائل متشعبة وبعيدة المدى، على أن تكون للقاء انعكاساته على الأوضاع السياسية والاستراتيجية في المنطقة.
المصادر تشير الى أن الأمير محمد بن سلمان رفض المعادلة الأميركية التي تظن ادارة جو بايدن أنها تضعه في الزاوية، "التاج مقابل التطبيع مع اسرائيل". رئيس أحدى الصحف السعودية قال لنا "كم هم أغبياء الأميركيون حين لا يدركون مدى الاستقطاب الشعبي لصاحب السمو"...
وكان رئيس الحزب اياه قد أكد لزملاء في صحيفة مقربة، ان التطبيع سيحصل بين يوم وآخر، ليحدث انقلاباً بنيوياً في العلاقات وفي المعادلات الشرق أوسطية. في هذه الحال لا بد من الاستعداد لـ "اللحظة التاريخية" بالتعبئة السياسية والطائفية ضد حزب الله، الذي سيكون أمام مأزق وجودي في صراعه مع "اسرائيل".
أكثر من جهة سياسية راهنت على نجاح الأميركيين في تجميد اتفاق بكين عند حدود اعادة العلاقات بين الرياض وطهران، قبل أن تفاجأ بأن الرياح تمضي في اتجاه آخر. الايرانيون أظهروا الكثير من البراغماتية في الاتصالات مع السعوديين، بعدما لاحظوا كيف أن رجب طيب اردوغان انتهز "تلك اللحظات الضائعة" لاختراق المشهد، واعداً الأميركيين، وربما "الاسرائيليين"، بأنه سيسعى لدى البلاط السعودي الى الدفع في اتجاه التطبيع، متعهداً بالمشاركة السياسية والاعلامية، وحتى التغطية السيكولوجية (على المستوى الاسلامي) للعملية.

لعل فيصل المقداد أخذ علماً من نظيره المصري سامح شكري بمخاوف القاهرة مما ينتظر سوريا.
الأميركيون ـ ولا نغفل امكاناتهم العسكرية الأسطورية ـ يتخبطون. المظاهر العسكرية الحالية قبالة مضيق هرمز ليست أكثر من مظاهر فولكلورية، ولا أثر لها...
حتى اشعار آخر، وفي ظل هذه الضوضاء، يبقى الدوران اللبناني في الحلقة المفرغة. ماذا تعني رسالة جان ـ ايف لودريان الى النواب الذين عليهم تحديد مواصفات رئيس الجمهورية العتيد؟ الكل لديهم مواصفاتهم الطوباوية التي لا تنطبق أحياناً على الأنبياء، مع أن صلاحيات الرئيس، وكما لاحظنا في عهد "الرئيس القوي"، لا تخوّله حتى اختيار ربطة العنق.
الرسالة ليست أكثر من الحلقة ما قبل الأخيرة في تلك الكوميديا الديبلوماسية. ما نفهمه من مصادر متابعة لأعمال اللجنة الخماسية، أن حل الأزمة الدستورية في لينان يمر عبر محطات كثيرة وشائكة، في الوقت الحالي على الأقل. الايرانيون الذين لهم حساباتهم الجيوسياسية، مع ابقاء الأزمة كورقة تكتيكية في الثلاجة الى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية خريف 2024، وبعدما أظهروا بعض (أم الكثير؟) من الواقعية في التفاعل مع الوساطتين القطرية والعمانية بينهم وبين أميركا.
حيال اخفاق رهانات البعض على معجزة تهبط من السماء (في الواقع من السيد الشيطان) لا بد لديكة الطائفية من مواصلة الصراخ. ماذا تراهم يستطيعون أن يفعلوا للحفاظ على رؤوسهم، سوى هدم ما تبقى من الروح اللبنانية؟
أعطال فادحة في الروح اللبنانية...


تنويه | المقالات المنشورة في الموقع تمثل رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي أسرة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013