المؤرخون الجدد وتقويض الأطروحات الصهيونية المقاومة القانونية | توثيق جرائم الصهيونية | المؤرخون الجدد وتقويض الأطروحات الصهيونية
تاريخ النشر: 24-10-2021

بقلم: الدكتور محمد عمارة تقي الدين

“لقد كذبوا علينا عندما أخبرونا أن الفلسطينيين في عام 1948م غادروا منازلهم بمحض إرادتهم، وكذبوا علينا عندما قالوا لنا أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض… لقد ارتكب الكيان الصهيوني تطهيرًا عرقيًا واسعًا ضد الفلسطينيين وهي جريمة ضد الإنسانية… يجب إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية، وإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري، والنكبة بوصفها تطهيرا عرقيا… يجب أن نتوقف عن المناداة بتسوية سلمية للصراع بل ضرورة تفكيك النظام الاستعماري للكيان الصهيوني…الدولة الصهيونية هي أكبر سجن على ظهر الأرض… لقد استغل الصهاينة المحرقة(الهولوكوست) لابتزاز العالم مادياً وسياسياً… يجب على الفلسطينيين إزالة جدار الفصل العنصري وتدميره بالمعاول تنفيذاً للقانون الدولي” .

تلك مقتطفات من مقولات تعد بمثابة نتائج أبحاث لعدد من المؤرخين الإسرائيليين فيما يُعرف بمجموعة المؤرخين الجدد، وهي الأبحاث التي تأسست على منطلقات علمية اعتماداً على وثائق بريطانية وإسرائيلية قديمة تم الإفراج عنها بعد مرور ثلاثين عاماً عليها، إذ تأسيساً على تلك الوثائق قام هؤلاء المؤرخون بإعادة دراسة تاريخ الحركة الصهيونية ووضع ما قدمته من أطروحات تحت مجهر البحث العلمي، تلك الأطروحات التي دارت في معظمها حول التاريخ اليهودي وتاريخ استيلاء الصهاينة على فلسطين وما ارتكبوه من مجازر بحق الفلسطينيين وقتها، واكتشفوا أنها زيفت الحقائق بشكل جذري في محاولة لتسويغ أطروحاتها

فالمؤرخون الجدد(The New Historians)هم، وكما يذهب البعض، مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين الذين ظهروا في الثمانينات من القرن المنصرم، وهؤلاء قاموا بالتشكيك في المرويات التاريخية التي تأسس عليها الكيان الصهيوني، ومن ثم قدموا قراءة مغايرة تمامًا لما قدمته الحركة الصهيونية من روايات ملفقة في هذا المضمار.

وهم بذلك، وكما يرى مهند مصطفى، يتَحدّون المنظومة المعرفية الصهيونية لهدفين: إما من أجل تفكيكها وتقويضها ومن ثم تنحيتها جانبًا واقتراح بديل لها، أو من أجل بعثها وتجديدها لتتفق ومتغيرات العصر الجديد، وبالطبع فقد واجه هؤلاء المؤرخون حملة صهيونية شرسة ضدهم لأن أطروحاتهم من شأنها تقويض الأطروحات الصهيونية التي تأسس عليها الكيان الصهيوني كدولة، وهي الأطروحات التي اعتُبِرت في حينها مسلمات وحقائق غير قابلة للدحض.

ويعد بيني موريس (Benny Morris) هو أول من صك هذا المصطلح ــــ مصطلح المؤرخين الجدد ــــ وهو صاحب الكتاب الأشهر (مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين) (The Birth of the Palestinian Refugee Problem) الذي أصدره عام 1988م ،وقد تناول فيه عمليات الإبادة العرقية للفلسطينيين التي قامت بها العصابات الصهيونية قبيل إعلان قيام الكيان الصهيوني.

ويذهب بيني موريس إلى أن ما يقوم به من بحث هو من أجل إسرائيل ودفعها نحو مراجعة نفسها مؤكدًا أن الاعتراف بما اقترفته الجماعات الصهيونية من أعمال طرد ومجازر ضد الفلسطينيين قبل عام 1948م وبعدها، هو في حقيقة الأمر استجلاء لحقائق تمت على الأرض في فترة تاريخية مهمة، تلك الحقائق التي عمدت الصهيونية إلى طمسها وإخفائها تحت ركام من الادعاءات الكاذبة.

يقول بيني موريس:” نحن الإسرائيليين كنا طيبين لكننا قمنا بأفعال مشينة وبشعة، لقد كذبوا علينا عندما أخبرونا أن كثير من الفلسطينيين طلبوا مغادرة بيوتهم بمحض إرادتهم، وكذبوا علينا عندما أبلغونا أن الدول العربية أرادت تدميرنا وأننا كنا الوحيدين الذين نريد السلام طوال الوقت، كذبوا علينا عندما قالوا أن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب لشعب يهودي بلا أرض”.

ومن الحقائق التي أماط موريس اللثام عنها قيام الكيان الصهيوني برشوة بعض مندوبي الأمم المتحدة لدفعهم للتصويت لصالح قرار تقسيم فلسطين بشكل مجحف لصالح الصهاينة.

غير أن بيني موريس يعود ليؤكد أن الظروف القهرية كانت وراء ممارسات العصابات الصهيونية الإجرامية بحق الفلسطينيين وأنها قد اضطرت لذلك اضطراراً، بل ويزعم أن النسبة الأكبر من الفلسطينيين غادرت أراضيها طواعية استجابة لنصائح قادة عرب، والآخرين وهم الأقل عدداً غادروا قهرياً بسبب ما ارتكبته العصابات الصهيونية، كما يزعم أن العرب كانوا المبادرين بالهجوم في حين اقتصر دور اليهود على الردود الدفاعية ومهاجمة الإرهابيين المعتدين فقط، وما ارتكبه الصهاينة من مجازر بعد ذلك هو نتيجة ما تعرض له اليهود من هجمات إرهابية إذ أجبرتهم تلك الهجمات على تغيير سياستهم من الدفاع للهجوم.

لقد ادعى بيني موريس أن المسيحيين فرحوا بالهجرات اليهودية لمعاناتهم في ظل الحكم الإسلامي، وهو محض كذب وافتراء ولا أدلة تاريخية عليه، كما وصف في أكثر من مرة حرب 48 بكونها حرباً أهلية متناسياً أنها بين طرفين: الأول فلسطيني وهو صاحب الأرض، والثاني مستعمر قادم من أوروبا، وزعم أن عصابات الهاجاناه الصهيونية لم يستهدفوا مطلقاً النساء والأطفال،ووصف المهجرين الفلسطينيين بالجبناء الذين تركوا أرضهم دون أدنى مقاومة.

كما وضع كل اللوم على الفلسطينيين في فشل التسوية السياسية، واعتبر العرب الذين يعيشون داخل إسرائيل بمثابة الخطر الوجودي الأول على الكيان الصهيوني وأن الخطيئة الكبرى هي عدم تهجيرهم في الماضي مثلهم مثل إخوانهم.

بل وفي السنوات الأخيرة تراجع بشكل كبير عن كثير من أفكاره التي اعتُبِرت في وقتها اعترافاً صريحاً وجريئاً بالمجازر الصهيونية، ففي عام 2002م نشر بيني موريس مقالاً في صحيفة الجارديان البريطانية، أعلن فيه تراجعه عن كثير من أطروحاته إذ يقول:” كل من وظف مؤلفاتي واعتبرها دليل ووثيقة تدين إسرائيل وتحملها مسئولية ما تم ارتكابه في عام 48م قد أغفل حقيقة أنني أكدت في نهاية هذه المؤلفات أن مشكلة اللاجئين كانت أمراً حتمياً ولم يكن أمام اليهود خيار آخر نتيجة للرفض العربي للوجود اليهودي ومشروعهم الهادف لإقامة الدولة”.

كما زعم موريس أن الوثائق التي قام بدراستها في حينها لم تكن كافية وأنه اطلع فيما بعد على وثائق جديدة دفعته لتغيير كثير من قناعاته.

إذن فتلك هي التحولات التي طرأت على بيني موريس الذي بدأ مؤرخاً ناقداً للممارسات الصهيونية الإجرامية إبان النكبة ومُديناً لها لينتهي به الحال قابعاً في معسكر اليمين الصهيوني المتطرف المدافع عن إسرائيل طوال الوقت.

ويأتي المؤرخ إيلان بابيه (Ilan Pappé) كواحد من أهم المؤرخين الجدد، ففي كتابه الأشهر التطهير العرقي في فلسطين (The Ethnic Cleansing of Palestine) ، يدفع فيه بابيه فكرة التطهير العرقي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين إلى حدها الأقصى مؤكدًا أن الكيان الصهيوني قد ارتكب عام 1948م، تطهيرًا عرقيًا واسعًا ضد الفلسطينيين، لفرض أمر واقع يمثل اليهود فيه الأغلبية بما يعزز قيام الدولة، مؤكداً أن تلك الممارسات هي جريمة ضد الإنسانية لا يجب أن تسقط بالتقادم، كما أصدر كتابًا ثانيًا في عام 2003، بعنوان” تاريخ فلسطين الحديث: أرض واحدة… شعبان” حيث واصل به تعميق أطروحاته.

يذكر بابيه أنه كان في شبابه أحد المعجبين بالفكر الصهيوني ومن ثم صاغ كثير من قناعاته تأسيساً على هذا الفكر، مؤكداً أن كتابه المفضل كان كتاب (الدولة اليهودية (لثيودور هرتزل، وأنه في ذلك الوقت لم تكن لديه معلومات صحيحة عن أوضاع الفلسطينيين وتحديداً معاناتهم في ظل الاحتلال ومن قبلها ما ارتُكب بحقهم من تطهير عرقي، غير أنه بعد معرفته الحقيقة التي حاول الصهاينة طمسها بدأ يتخلى عن صهيونيته ومن ثم أخذ في التعاطف مع الفلسطينيين بشدة باعتبارهم شعب واقع تحت الاحتلال مطالباً المجتمع الدولي بالتدخل لإنهاء هذا الاحتلال بأسرع وقت.

بعد أن صرَّح بابيه بقناعاته الجديدة بدأ الهجوم الصهيوني عليه، فكل من يتبنى الرواية الفلسطينية داخل الكيان الصهيوني، وكما يؤكد بابيه، يتم النظر إليه باعتباره خائناً لبلده وأنه أشبه بالمتعاونين من اليهود مع النازيين وقت المحرقة، ومن ثم وفي عام 2007م ونتيجة للتضييق عليه بسبب أفكاره غادر بابيه إسرائيل والتحق بقسم التاريخ في جامعة اكستير البريطانية.

وفي عام 2017م أصدر بابيه كتاباً جديداً بعنوان (عشر خرافات عن إسرائيل) في الذكرى الخمسين لعدوان 67م، ومن هذه الخرافات التي ساقها بابيه في كتابه: الادعاء بأن فلسطين كانت أرضاً فارغة وقت إقامة الكيان الصهيوني، الادعاء بأن الفلسطينيين تركوا أرضهم لليهود طوعاً، الادعاء بأن اليهود كانوا أغلبية مؤكداً أنهم لم يكونوا يشكلوا سوى 3% من السكان الفلسطينيين قبل الهجرات الصهيونية، الادعاء بأن الصهيونية هي حركة تحرر وطني في حين لا تعدو كونها حركة استعمارية استيطانية، خرافة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم والحقيقة أنه تم إخلاؤها عبر الإبادة والتهجير والتطهير العرقي، خرافة أن حرب 67 كانت حرب اضطرار وأن الصهاينة لم يكن أمامهم خيار آخر، خرافة أن احتلال فلسطين كان سلمياً ومن أجل نشر قيم التحضر غير أن العنف الفلسطيني هو ما أجبر الصهاينة على التصرف بعنف.

ومن ثم دعا بابيه إلى إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها استعماراً استيطانياً، وإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري، وأحداث 48م بوصفها تطهيراً عرقياً.

يرى بابيه أن دعوته للمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، هي وسيلة للضغط عليها لإنهاء أبشع احتلال عرفه التاريخ الحديث.

ويحذرنا بابيه من تيار المسيحية الصهيونية المتمركز في الولايات المتحدة الأمريكية فهو من يساند إسرائيل بشكل مطلق ودون تحفظ منطلقاً من دوافع وقناعات دينية، ومن ثم يعمل هذا التيار جاهداً من أجل دفع الإدارات الأمريكية نحو انحياز مطلق للكيان الصهيوني، إذ يؤكد بابيه أن توطين اليهود في فلسطين كان بالأساس مشروعاً مسيحياً صهيونياً ثم تبنته الحركة الصهيونية فيما بعد.

” كانت خطيئة كبرى” هكذا يدين بابيه موافقة السلطة الفلسطينية على اتفاقية أوسلو، فهي، بحسب بابيه، لا تعدو كونها مناورة إسرائيلية لإطالة أمد الاحتلال وإضفاء بعضاً من المشروعية الدولية عليه.

يدحض بابيه مقولة أن إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، مؤكداً أنها ليست ديمقراطية على الإطلاق، فاستعباد الأقليات في إسرائيل ليس ديمقراطيًا، والاحتلال ليس ديمقراطيًا، وتدمير منازل الفلسطينيين ليس ديمقراطيًا، وسحق المقاومة الفلسطينية ليس ديمقراطيًا، وسجن الفلسطينيين بغير محاكمة ليس ديمقراطيًا.

فهي إذن ديمقراطية الصهاينة وحدهم، وهو ما يذكرنا بما كان يردده عبد الوهاب المسيري بأن ديمقراطية إسرائيل هي ديمقراطية المافيا إذ يسرقون الغنائم ثم يوزعونها فيما بينهم بالعدل والقسطاس.

يدعو بابيه الفلسطينيين إلى عدم نسيان جوهر الصراع العربي الصهيوني باعتباره كان وما زال يدور بين حركة استيطانية استعمارية( الحركة الصهيونية) وحركة تحرر قومي(الحركة الفلسطينية)، ومن ثم يجب أن نتوقف عن المناداة بتسوية سلمية للصراع بل ضرورة تفكيك النظام الاستعماري، بل وصرّح ذات مرة بأن الدولة الصهيونية هي أكبر سجن ماثل على ظهر الأرض.

وفيما يتعلق بإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل رأى بابيه أنه تصريح خطير لأنه اعتراف أميركي رسمي بخرق إسرائيلي فظ للقانون الدولي، كما أنه يُخرج الولايات المتحدة من موقعها كوسيط في النزاع، ولا ينسى بابيه أن يوجه رسالة للمناضلين الفلسطينيين يدعوهم فيها للتكيف مع الواقع الراهن عبر تطوير آليات جديدة لمقاومة الاحتلال والتفكير جدياً بدمج قوى يهودية غير صهيونية في صفوفهم.

كما يُعد زئيف هرتزوج (Ze ev Herzog) المولود عام 1941 وأستاذ الآثار بجامعة تل أبيب أحد المؤرخين الإسرائيليين الجدد، والذي أكد أن السرد التاريخي الوارد في التوراة ما هو إلا أساطير ولا يوجد دليل على وجود مملكة إسرائيل القديمة، وبالتالي فحديث الصهيونية عن حق تاريخي لليهود في فلسطين هو أمر ليس له أي سند تاريخي فهي دعوة زائفة قُصد بها تبرير المشروع الصهيوني.

في مقال له بعنوان (التوراة لا إثباتات على الأرض) يقول هرتزوج: ” توصَّل علماء الآثار بعد عقود من الحفريات إلى نتيجة مفادها أن قصص التوراة مجرد أساطير، لم نذهب إلى مصر، ولم نرجع من هناك لنستوطن فلسطين، ولا دليل على وجود إمبراطورية داود وسليمان بحدودها التوراتية”.

وعلى الرغم من أن أطروحات هرتزوج من شأنها تقويض الأطروحات الصهيونية إلا أنه يضع لنا سماً في العسل عبرها، فهي من جانب آخر تنكر الكثير من قصص القرآن، ومن ثم علينا دائماً أن نظل في موقع المتوجس مما يطرحه هؤلاء المؤرخين فلا نقبله كله أو نرفضه كله بل نحاكمه محاكمة عقلية نقدية.

ثم يأتي شلومو ساند (Shlomo Sand) والذي ولد في النمسا عام 1946م لعائلة يهودية نجت من الهولوكوست، والمحاضر في كلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن باعتباره أحد أبرز المؤرخين الجدد في الوقت الراهن، وهو مؤلف الثلاثية( اختراع الشعب اليهودي، اختراع أرض إسرائيل، كيف لم أعد يهودياً)، في مؤلفه الأشهر (اختراع الشعب اليهودي) (The Invention of the Jewish People) أكد فيه أن حديث الصهيونية عن طرد الرومان لليهود من فلسطين قديماً هو أمر لا أدلة تاريخية عليه، ومن ثم فدعوتهم للعودة لفلسطين باطلة، وأن اليهود الحاليين هم في معظمهم أحفاد إمبراطورية الخزر التاريخية التي كانت قد اعتنقت اليهودية وهو ما يدحض الأطروحة الصهيونية المعروفة بأن يهود العالم المعاصر هم أحفاد اليهود القدامى.
وتساءل ساند: لماذا يتم تدريس التوراة باعتبارها مرجع تاريخي حقيقي لا يقترب منه الشك رغم ما تحويه من خرافات وأساطير؟ مؤكداً أن ذلك الخطأ هو ما ارتكبته الحركة الصهيونية عن عمد في محاولة منها لتوظيف تلك الأساطير الدينية التاريخية لإضفاء هالة من القداسة على أطروحاتها السياسية وتجذيرها في الوعي العام اليهودي.

ويؤكد ساند أن البحث التاريخي قد أكد أن اليهود ينتمون إلى قوميات عديدة، ولا يربطهم سوى الانتساب إلى الدين اليهودي، ويرى أن أسطورة النقاء العرقي لليهود لا يمكن لها أن تصمد أمام البحث العلمي والتاريخي الجاد، وأنها لا تعدو كونها اختراعًا صهيونيًا،فالشعب اليهودي تم اختراعه في القرن التاسع عشر بفعل الصهاينة عبر مجموعة من الأبحاث الملفقة، ولم يكن له وجود قبل ذلك كجماعة قومية، يقول ساند: “إنه على مر ألفي عام لم يكن اليهود شعباً، بل كانوا مجرد أقلية دينية”.

ينتقل شلومو ساند ليوجه طعنة أخرى لمصطلح أرض إسرائيل مؤكداً أن هذا المفهوم تم اختراعه حديثاً كجزء من المشروع الصهيوني الاستعماري ليضفي لإضفاء مبررات دينية عليه، إذ يؤكد ساند أن اليهود عاشوا متنقلين بين كثير من بقاع الأرض واستوطنوا بلاداً عديدة ومن ثم يتساءل: هل استيقظ اليهود فجأة على أيدي الصهاينة ليجدوا أن الاتجاه الذي أخطأوه هو فلسطين؟ فالصهاينة تعاملوا مع التوراة بوصفها صك ملكية تاريخي بموجبه يتحتم منحهم فلسطين ليقيموا عليها دولتهم، لقد لفقت الصهيونية الأبحاث العلمية كما قامت بلَيّ عنق النصوص الدينية لتسويغ أطروحاتها الاستعمارية.

فالكيان الصهيوني وفقاً لساند لا يعدو كونه مشروعاً استعمارياً أُضفيت عليه ديباجات دينية، ليس هذا فحسب بل عمدت الصهيونية، وكما يؤكد ساند، إلى توظيف عاملين آخرين لإنجاح هذا المشروع ذو الصبغة الاستعمارية الاستيطانية وهما: الاضطهاد الغربي لليهود وبالتالي حقهم في وطن خارج أوروبا خلاصاً من هذا الاضطهاد، والنزعة الاستعمارية الإمبريالية التي كانت سائدة في أوروبا وقتها وبالتالي فقد تماهوا كثيراً مع ما نادى به الأوروبيون في ذلك الوقت، وعبر هذا الطرح يبدو ساند متأثراً بشدة بآراء والديه المؤيدة للشيوعية والمناهضة للإمبريالية العالمية في صيغتها الاستعمارية.

يرى ساند، بحسب ما أوردته الباحثة ميرفت عوف، أن الكيان الصهيوني هو بمثابة طفل لقيط، وتحليله لذلك أن العصابات الصهيونية قامت بفعل اغتصاب فلسطين في عام 1948م فانبثق هذا الكيان الصهيوني من رحم ذلك الاغتصاب ونتيجة له، وأن هذا الطفل اللقيط(الكيان الصهيوني) إن أراد الحياة ومن ثم مواصلة استمراريته الوجودية كدولة فعليه أن يكُفّ عن إتباع السلوك الإجرامي لوالده المغتصب ويعلن تبرؤه من هذا الفعل بشكل مُطلق.

يذهب شلومو ساند إلى أن النظام العنصري في إسرائيل شبيه بالنظام العنصري البائد في جنوب إفريقيا وأن إسرائيل الحالية هي من أشد المجتمعات عنصرية، كما رأى أن انتصار إسرائيل في عام 1967م هو ما أطلق طقس عبادة القوة لدى قاطنيها فبالغت في غيها وطغيانها، ومن ثم دعا لإنقاذ إسرائيل ‏من نفسها وإجبارها على خيار السلام ‏عبر الضغط المتواصل عليها من قبل المجتمع الدولي، كما نادى بأن تصبح إسرائيل دولة لجميع مواطنيها عبر قيام دولة ديمقراطية ثنائية القومية والتخلي بشكل مطلق عن يهودية الدولة.

وفيما يتعلق بسياسة بناء المستوطنات غير الشرعية التي يتبعها الكيان الصهيوني، يرى ساند أن هذا الأمر لا يشغله كثيراً لأن وجود إسرائيل برمتها هو أمر غير شرعي، فهي بمثابة مستوطنة كبرى غير شرعية إذ أقيمت بالقوة بعد إبادة السكان الأصليين.

في عام 2012م تلقى شلومو ساند عدداً من التهديدات، إذ جاءه مظروف شمل رسالة تهديد صريحة بالقتل باعتباره معادٍ للسامية وجاء في الرسالة: ” لن تحيا وقتاً طويلاً “.

تلك هي إذن أطروحات شلومو ساند المتماهية كثيراً مع القناعات العربية والمؤيدة للحقوق الفلسطينية بشكل كبير، وهي الأطروحات التي تأسست على بحث علمي جاد من مؤرخ اتسق كثيراً مع ذاته واحترم ما تقوده إليه أبحاثه من نتائج دون تحيز مسبق، فتعامل مع الوثائق التاريخية بكثير من الحيادية والموضوعية.

وللحديث بقية في مقال قادم بإذن الله.

(كاتب وأكاديمي مصري متخصص في الاجتماع السياسي والصراع العربي الصهيوني)

“لقد كذبوا علينا عندما أخبرونا أن الفلسطينيين في عام 1948م غادروا منازلهم بمحض إرادتهم، وكذبوا علينا عندما قالوا لنا أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض… لقد ارتكب الكيان الصهيوني تطهيرًا عرقيًا واسعًا ضد الفلسطينيين وهي جريمة ضد الإنسانية… يجب إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية، وإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري، والنكبة بوصفها تطهيرا عرقيا… يجب أن نتوقف عن المناداة بتسوية سلمية للصراع بل ضرورة تفكيك النظام الاستعماري للكيان الصهيوني…الدولة الصهيونية هي أكبر سجن على ظهر الأرض… لقد استغل الصهاينة المحرقة(الهولوكوست) لابتزاز العالم مادياً وسياسياً… يجب على الفلسطينيين إزالة جدار الفصل العنصري وتدميره بالمعاول تنفيذاً للقانون الدولي” .

تلك مقتطفات من مقولات تعد بمثابة نتائج أبحاث لعدد من المؤرخين الإسرائيليين فيما يُعرف بمجموعة المؤرخين الجدد، وهي الأبحاث التي تأسست على منطلقات علمية اعتماداً على وثائق بريطانية وإسرائيلية قديمة تم الإفراج عنها بعد مرور ثلاثين عاماً عليها، إذ تأسيساً على تلك الوثائق قام هؤلاء المؤرخون بإعادة دراسة تاريخ الحركة الصهيونية ووضع ما قدمته من أطروحات تحت مجهر البحث العلمي، تلك الأطروحات التي دارت في معظمها حول التاريخ اليهودي وتاريخ استيلاء الصهاينة على فلسطين وما ارتكبوه من مجازر بحق الفلسطينيين وقتها، واكتشفوا أنها زيفت الحقائق بشكل جذري في محاولة لتسويغ أطروحاتها

فالمؤرخون الجدد(The New Historians)هم، وكما يذهب البعض، مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين الذين ظهروا في الثمانينات من القرن المنصرم، وهؤلاء قاموا بالتشكيك في المرويات التاريخية التي تأسس عليها الكيان الصهيوني، ومن ثم قدموا قراءة مغايرة تمامًا لما قدمته الحركة الصهيونية من روايات ملفقة في هذا المضمار.

وهم بذلك، وكما يرى مهند مصطفى، يتَحدّون المنظومة المعرفية الصهيونية لهدفين: إما من أجل تفكيكها وتقويضها ومن ثم تنحيتها جانبًا واقتراح بديل لها، أو من أجل بعثها وتجديدها لتتفق ومتغيرات العصر الجديد، وبالطبع فقد واجه هؤلاء المؤرخون حملة صهيونية شرسة ضدهم لأن أطروحاتهم من شأنها تقويض الأطروحات الصهيونية التي تأسس عليها الكيان الصهيوني كدولة، وهي الأطروحات التي اعتُبِرت في حينها مسلمات وحقائق غير قابلة للدحض.

ويعد بيني موريس (Benny Morris) هو أول من صك هذا المصطلح ــــ مصطلح المؤرخين الجدد ــــ وهو صاحب الكتاب الأشهر (مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين) (The Birth of the Palestinian Refugee Problem) الذي أصدره عام 1988م ،وقد تناول فيه عمليات الإبادة العرقية للفلسطينيين التي قامت بها العصابات الصهيونية قبيل إعلان قيام الكيان الصهيوني.

ويذهب بيني موريس إلى أن ما يقوم به من بحث هو من أجل إسرائيل ودفعها نحو مراجعة نفسها مؤكدًا أن الاعتراف بما اقترفته الجماعات الصهيونية من أعمال طرد ومجازر ضد الفلسطينيين قبل عام 1948م وبعدها، هو في حقيقة الأمر استجلاء لحقائق تمت على الأرض في فترة تاريخية مهمة، تلك الحقائق التي عمدت الصهيونية إلى طمسها وإخفائها تحت ركام من الادعاءات الكاذبة.

يقول بيني موريس:” نحن الإسرائيليين كنا طيبين لكننا قمنا بأفعال مشينة وبشعة، لقد كذبوا علينا عندما أخبرونا أن كثير من الفلسطينيين طلبوا مغادرة بيوتهم بمحض إرادتهم، وكذبوا علينا عندما أبلغونا أن الدول العربية أرادت تدميرنا وأننا كنا الوحيدين الذين نريد السلام طوال الوقت، كذبوا علينا عندما قالوا أن فلسطين كانت أرضاً بلا شعب لشعب يهودي بلا أرض”.

ومن الحقائق التي أماط موريس اللثام عنها قيام الكيان الصهيوني برشوة بعض مندوبي الأمم المتحدة لدفعهم للتصويت لصالح قرار تقسيم فلسطين بشكل مجحف لصالح الصهاينة.

غير أن بيني موريس يعود ليؤكد أن الظروف القهرية كانت وراء ممارسات العصابات الصهيونية الإجرامية بحق الفلسطينيين وأنها قد اضطرت لذلك اضطراراً، بل ويزعم أن النسبة الأكبر من الفلسطينيين غادرت أراضيها طواعية استجابة لنصائح قادة عرب، والآخرين وهم الأقل عدداً غادروا قهرياً بسبب ما ارتكبته العصابات الصهيونية، كما يزعم أن العرب كانوا المبادرين بالهجوم في حين اقتصر دور اليهود على الردود الدفاعية ومهاجمة الإرهابيين المعتدين فقط، وما ارتكبه الصهاينة من مجازر بعد ذلك هو نتيجة ما تعرض له اليهود من هجمات إرهابية إذ أجبرتهم تلك الهجمات على تغيير سياستهم من الدفاع للهجوم.

لقد ادعى بيني موريس أن المسيحيين فرحوا بالهجرات اليهودية لمعاناتهم في ظل الحكم الإسلامي، وهو محض كذب وافتراء ولا أدلة تاريخية عليه، كما وصف في أكثر من مرة حرب 48 بكونها حرباً أهلية متناسياً أنها بين طرفين: الأول فلسطيني وهو صاحب الأرض، والثاني مستعمر قادم من أوروبا، وزعم أن عصابات الهاجاناه الصهيونية لم يستهدفوا مطلقاً النساء والأطفال،ووصف المهجرين الفلسطينيين بالجبناء الذين تركوا أرضهم دون أدنى مقاومة.

كما وضع كل اللوم على الفلسطينيين في فشل التسوية السياسية، واعتبر العرب الذين يعيشون داخل إسرائيل بمثابة الخطر الوجودي الأول على الكيان الصهيوني وأن الخطيئة الكبرى هي عدم تهجيرهم في الماضي مثلهم مثل إخوانهم.

بل وفي السنوات الأخيرة تراجع بشكل كبير عن كثير من أفكاره التي اعتُبِرت في وقتها اعترافاً صريحاً وجريئاً بالمجازر الصهيونية، ففي عام 2002م نشر بيني موريس مقالاً في صحيفة الجارديان البريطانية، أعلن فيه تراجعه عن كثير من أطروحاته إذ يقول:” كل من وظف مؤلفاتي واعتبرها دليل ووثيقة تدين إسرائيل وتحملها مسئولية ما تم ارتكابه في عام 48م قد أغفل حقيقة أنني أكدت في نهاية هذه المؤلفات أن مشكلة اللاجئين كانت أمراً حتمياً ولم يكن أمام اليهود خيار آخر نتيجة للرفض العربي للوجود اليهودي ومشروعهم الهادف لإقامة الدولة”.

كما زعم موريس أن الوثائق التي قام بدراستها في حينها لم تكن كافية وأنه اطلع فيما بعد على وثائق جديدة دفعته لتغيير كثير من قناعاته.

إذن فتلك هي التحولات التي طرأت على بيني موريس الذي بدأ مؤرخاً ناقداً للممارسات الصهيونية الإجرامية إبان النكبة ومُديناً لها لينتهي به الحال قابعاً في معسكر اليمين الصهيوني المتطرف المدافع عن إسرائيل طوال الوقت.

ويأتي المؤرخ إيلان بابيه (Ilan Pappé) كواحد من أهم المؤرخين الجدد، ففي كتابه الأشهر التطهير العرقي في فلسطين (The Ethnic Cleansing of Palestine) ، يدفع فيه بابيه فكرة التطهير العرقي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين إلى حدها الأقصى مؤكدًا أن الكيان الصهيوني قد ارتكب عام 1948م، تطهيرًا عرقيًا واسعًا ضد الفلسطينيين، لفرض أمر واقع يمثل اليهود فيه الأغلبية بما يعزز قيام الدولة، مؤكداً أن تلك الممارسات هي جريمة ضد الإنسانية لا يجب أن تسقط بالتقادم، كما أصدر كتابًا ثانيًا في عام 2003، بعنوان” تاريخ فلسطين الحديث: أرض واحدة… شعبان” حيث واصل به تعميق أطروحاته.

يذكر بابيه أنه كان في شبابه أحد المعجبين بالفكر الصهيوني ومن ثم صاغ كثير من قناعاته تأسيساً على هذا الفكر، مؤكداً أن كتابه المفضل كان كتاب (الدولة اليهودية (لثيودور هرتزل، وأنه في ذلك الوقت لم تكن لديه معلومات صحيحة عن أوضاع الفلسطينيين وتحديداً معاناتهم في ظل الاحتلال ومن قبلها ما ارتُكب بحقهم من تطهير عرقي، غير أنه بعد معرفته الحقيقة التي حاول الصهاينة طمسها بدأ يتخلى عن صهيونيته ومن ثم أخذ في التعاطف مع الفلسطينيين بشدة باعتبارهم شعب واقع تحت الاحتلال مطالباً المجتمع الدولي بالتدخل لإنهاء هذا الاحتلال بأسرع وقت.

بعد أن صرَّح بابيه بقناعاته الجديدة بدأ الهجوم الصهيوني عليه، فكل من يتبنى الرواية الفلسطينية داخل الكيان الصهيوني، وكما يؤكد بابيه، يتم النظر إليه باعتباره خائناً لبلده وأنه أشبه بالمتعاونين من اليهود مع النازيين وقت المحرقة، ومن ثم وفي عام 2007م ونتيجة للتضييق عليه بسبب أفكاره غادر بابيه إسرائيل والتحق بقسم التاريخ في جامعة اكستير البريطانية.

وفي عام 2017م أصدر بابيه كتاباً جديداً بعنوان (عشر خرافات عن إسرائيل) في الذكرى الخمسين لعدوان 67م، ومن هذه الخرافات التي ساقها بابيه في كتابه: الادعاء بأن فلسطين كانت أرضاً فارغة وقت إقامة الكيان الصهيوني، الادعاء بأن الفلسطينيين تركوا أرضهم لليهود طوعاً، الادعاء بأن اليهود كانوا أغلبية مؤكداً أنهم لم يكونوا يشكلوا سوى 3% من السكان الفلسطينيين قبل الهجرات الصهيونية، الادعاء بأن الصهيونية هي حركة تحرر وطني في حين لا تعدو كونها حركة استعمارية استيطانية، خرافة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم والحقيقة أنه تم إخلاؤها عبر الإبادة والتهجير والتطهير العرقي، خرافة أن حرب 67 كانت حرب اضطرار وأن الصهاينة لم يكن أمامهم خيار آخر، خرافة أن احتلال فلسطين كان سلمياً ومن أجل نشر قيم التحضر غير أن العنف الفلسطيني هو ما أجبر الصهاينة على التصرف بعنف.

ومن ثم دعا بابيه إلى إعادة تعريف الصهيونية باعتبارها استعماراً استيطانياً، وإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري، وأحداث 48م بوصفها تطهيراً عرقياً.

يرى بابيه أن دعوته للمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، هي وسيلة للضغط عليها لإنهاء أبشع احتلال عرفه التاريخ الحديث.

ويحذرنا بابيه من تيار المسيحية الصهيونية المتمركز في الولايات المتحدة الأمريكية فهو من يساند إسرائيل بشكل مطلق ودون تحفظ منطلقاً من دوافع وقناعات دينية، ومن ثم يعمل هذا التيار جاهداً من أجل دفع الإدارات الأمريكية نحو انحياز مطلق للكيان الصهيوني، إذ يؤكد بابيه أن توطين اليهود في فلسطين كان بالأساس مشروعاً مسيحياً صهيونياً ثم تبنته الحركة الصهيونية فيما بعد.

” كانت خطيئة كبرى” هكذا يدين بابيه موافقة السلطة الفلسطينية على اتفاقية أوسلو، فهي، بحسب بابيه، لا تعدو كونها مناورة إسرائيلية لإطالة أمد الاحتلال وإضفاء بعضاً من المشروعية الدولية عليه.

يدحض بابيه مقولة أن إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، مؤكداً أنها ليست ديمقراطية على الإطلاق، فاستعباد الأقليات في إسرائيل ليس ديمقراطيًا، والاحتلال ليس ديمقراطيًا، وتدمير منازل الفلسطينيين ليس ديمقراطيًا، وسحق المقاومة الفلسطينية ليس ديمقراطيًا، وسجن الفلسطينيين بغير محاكمة ليس ديمقراطيًا.

فهي إذن ديمقراطية الصهاينة وحدهم، وهو ما يذكرنا بما كان يردده عبد الوهاب المسيري بأن ديمقراطية إسرائيل هي ديمقراطية المافيا إذ يسرقون الغنائم ثم يوزعونها فيما بينهم بالعدل والقسطاس.

يدعو بابيه الفلسطينيين إلى عدم نسيان جوهر الصراع العربي الصهيوني باعتباره كان وما زال يدور بين حركة استيطانية استعمارية( الحركة الصهيونية) وحركة تحرر قومي(الحركة الفلسطينية)، ومن ثم يجب أن نتوقف عن المناداة بتسوية سلمية للصراع بل ضرورة تفكيك النظام الاستعماري، بل وصرّح ذات مرة بأن الدولة الصهيونية هي أكبر سجن ماثل على ظهر الأرض.

وفيما يتعلق بإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل رأى بابيه أنه تصريح خطير لأنه اعتراف أميركي رسمي بخرق إسرائيلي فظ للقانون الدولي، كما أنه يُخرج الولايات المتحدة من موقعها كوسيط في النزاع، ولا ينسى بابيه أن يوجه رسالة للمناضلين الفلسطينيين يدعوهم فيها للتكيف مع الواقع الراهن عبر تطوير آليات جديدة لمقاومة الاحتلال والتفكير جدياً بدمج قوى يهودية غير صهيونية في صفوفهم.

كما يُعد زئيف هرتزوج (Ze ev Herzog) المولود عام 1941 وأستاذ الآثار بجامعة تل أبيب أحد المؤرخين الإسرائيليين الجدد، والذي أكد أن السرد التاريخي الوارد في التوراة ما هو إلا أساطير ولا يوجد دليل على وجود مملكة إسرائيل القديمة، وبالتالي فحديث الصهيونية عن حق تاريخي لليهود في فلسطين هو أمر ليس له أي سند تاريخي فهي دعوة زائفة قُصد بها تبرير المشروع الصهيوني.

في مقال له بعنوان (التوراة لا إثباتات على الأرض) يقول هرتزوج: ” توصَّل علماء الآثار بعد عقود من الحفريات إلى نتيجة مفادها أن قصص التوراة مجرد أساطير، لم نذهب إلى مصر، ولم نرجع من هناك لنستوطن فلسطين، ولا دليل على وجود إمبراطورية داود وسليمان بحدودها التوراتية”.

وعلى الرغم من أن أطروحات هرتزوج من شأنها تقويض الأطروحات الصهيونية إلا أنه يضع لنا سماً في العسل عبرها، فهي من جانب آخر تنكر الكثير من قصص القرآن، ومن ثم علينا دائماً أن نظل في موقع المتوجس مما يطرحه هؤلاء المؤرخين فلا نقبله كله أو نرفضه كله بل نحاكمه محاكمة عقلية نقدية.

ثم يأتي شلومو ساند (Shlomo Sand) والذي ولد في النمسا عام 1946م لعائلة يهودية نجت من الهولوكوست، والمحاضر في كلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن باعتباره أحد أبرز المؤرخين الجدد في الوقت الراهن، وهو مؤلف الثلاثية( اختراع الشعب اليهودي، اختراع أرض إسرائيل، كيف لم أعد يهودياً)، في مؤلفه الأشهر (اختراع الشعب اليهودي) (The Invention of the Jewish People) أكد فيه أن حديث الصهيونية عن طرد الرومان لليهود من فلسطين قديماً هو أمر لا أدلة تاريخية عليه، ومن ثم فدعوتهم للعودة لفلسطين باطلة، وأن اليهود الحاليين هم في معظمهم أحفاد إمبراطورية الخزر التاريخية التي كانت قد اعتنقت اليهودية وهو ما يدحض الأطروحة الصهيونية المعروفة بأن يهود العالم المعاصر هم أحفاد اليهود القدامى.
وتساءل ساند: لماذا يتم تدريس التوراة باعتبارها مرجع تاريخي حقيقي لا يقترب منه الشك رغم ما تحويه من خرافات وأساطير؟ مؤكداً أن ذلك الخطأ هو ما ارتكبته الحركة الصهيونية عن عمد في محاولة منها لتوظيف تلك الأساطير الدينية التاريخية لإضفاء هالة من القداسة على أطروحاتها السياسية وتجذيرها في الوعي العام اليهودي.

ويؤكد ساند أن البحث التاريخي قد أكد أن اليهود ينتمون إلى قوميات عديدة، ولا يربطهم سوى الانتساب إلى الدين اليهودي، ويرى أن أسطورة النقاء العرقي لليهود لا يمكن لها أن تصمد أمام البحث العلمي والتاريخي الجاد، وأنها لا تعدو كونها اختراعًا صهيونيًا،فالشعب اليهودي تم اختراعه في القرن التاسع عشر بفعل الصهاينة عبر مجموعة من الأبحاث الملفقة، ولم يكن له وجود قبل ذلك كجماعة قومية، يقول ساند: “إنه على مر ألفي عام لم يكن اليهود شعباً، بل كانوا مجرد أقلية دينية”.

ينتقل شلومو ساند ليوجه طعنة أخرى لمصطلح أرض إسرائيل مؤكداً أن هذا المفهوم تم اختراعه حديثاً كجزء من المشروع الصهيوني الاستعماري ليضفي لإضفاء مبررات دينية عليه، إذ يؤكد ساند أن اليهود عاشوا متنقلين بين كثير من بقاع الأرض واستوطنوا بلاداً عديدة ومن ثم يتساءل: هل استيقظ اليهود فجأة على أيدي الصهاينة ليجدوا أن الاتجاه الذي أخطأوه هو فلسطين؟ فالصهاينة تعاملوا مع التوراة بوصفها صك ملكية تاريخي بموجبه يتحتم منحهم فلسطين ليقيموا عليها دولتهم، لقد لفقت الصهيونية الأبحاث العلمية كما قامت بلَيّ عنق النصوص الدينية لتسويغ أطروحاتها الاستعمارية.

فالكيان الصهيوني وفقاً لساند لا يعدو كونه مشروعاً استعمارياً أُضفيت عليه ديباجات دينية، ليس هذا فحسب بل عمدت الصهيونية، وكما يؤكد ساند، إلى توظيف عاملين آخرين لإنجاح هذا المشروع ذو الصبغة الاستعمارية الاستيطانية وهما: الاضطهاد الغربي لليهود وبالتالي حقهم في وطن خارج أوروبا خلاصاً من هذا الاضطهاد، والنزعة الاستعمارية الإمبريالية التي كانت سائدة في أوروبا وقتها وبالتالي فقد تماهوا كثيراً مع ما نادى به الأوروبيون في ذلك الوقت، وعبر هذا الطرح يبدو ساند متأثراً بشدة بآراء والديه المؤيدة للشيوعية والمناهضة للإمبريالية العالمية في صيغتها الاستعمارية.

يرى ساند، بحسب ما أوردته الباحثة ميرفت عوف، أن الكيان الصهيوني هو بمثابة طفل لقيط، وتحليله لذلك أن العصابات الصهيونية قامت بفعل اغتصاب فلسطين في عام 1948م فانبثق هذا الكيان الصهيوني من رحم ذلك الاغتصاب ونتيجة له، وأن هذا الطفل اللقيط(الكيان الصهيوني) إن أراد الحياة ومن ثم مواصلة استمراريته الوجودية كدولة فعليه أن يكُفّ عن إتباع السلوك الإجرامي لوالده المغتصب ويعلن تبرؤه من هذا الفعل بشكل مُطلق.

يذهب شلومو ساند إلى أن النظام العنصري في إسرائيل شبيه بالنظام العنصري البائد في جنوب إفريقيا وأن إسرائيل الحالية هي من أشد المجتمعات عنصرية، كما رأى أن انتصار إسرائيل في عام 1967م هو ما أطلق طقس عبادة القوة لدى قاطنيها فبالغت في غيها وطغيانها، ومن ثم دعا لإنقاذ إسرائيل ‏من نفسها وإجبارها على خيار السلام ‏عبر الضغط المتواصل عليها من قبل المجتمع الدولي، كما نادى بأن تصبح إسرائيل دولة لجميع مواطنيها عبر قيام دولة ديمقراطية ثنائية القومية والتخلي بشكل مطلق عن يهودية الدولة.

وفيما يتعلق بسياسة بناء المستوطنات غير الشرعية التي يتبعها الكيان الصهيوني، يرى ساند أن هذا الأمر لا يشغله كثيراً لأن وجود إسرائيل برمتها هو أمر غير شرعي، فهي بمثابة مستوطنة كبرى غير شرعية إذ أقيمت بالقوة بعد إبادة السكان الأصليين.

في عام 2012م تلقى شلومو ساند عدداً من التهديدات، إذ جاءه مظروف شمل رسالة تهديد صريحة بالقتل باعتباره معادٍ للسامية وجاء في الرسالة: ” لن تحيا وقتاً طويلاً “.

تلك هي إذن أطروحات شلومو ساند المتماهية كثيراً مع القناعات العربية والمؤيدة للحقوق الفلسطينية بشكل كبير، وهي الأطروحات التي تأسست على بحث علمي جاد من مؤرخ اتسق كثيراً مع ذاته واحترم ما تقوده إليه أبحاثه من نتائج دون تحيز مسبق، فتعامل مع الوثائق التاريخية بكثير من الحيادية والموضوعية.

وللحديث بقية في مقال قادم بإذن الله.

(كاتب وأكاديمي مصري متخصص في الاجتماع السياسي والصراع العربي الصهيوني)


جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2021 - 2013