مجلس الأمن الدولي يتبنى بالإجماع قراراً يدعو إلى وقف الأعمال القتالية في سورية مستثنياً داعش وجبهة النصرة والتنظيمات الإرهابية التابعة لها فلسطين المحتلة | الاحتلال الإسرائيلي يعتقل فتيين فلسطينيين في بيت لحم لبنان | الامين العام لحزب الله: حماية المقاومة قوة للبنان في وجه المؤامرات فلسطين المحتلة | حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني تدين بشدة التصريحات الأميركية بشأن نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس المحتلة اليمن | الجيش اليمني يستهدف بالصواريخ مبنى القوات الإماراتية شرق مأرب لبنان | العدو الإسرائيلي يجدد انتهاكه للسيادة اللبنانية جواً وبحراً مجلس الأمن الدولي يؤجل التصويت على مشروع القرار الذي تقدمت به السويد والكويت حول وقف الأعمال القتالية في سورية هولندا | مجلس النواب الهولندي يصوت لصالح الاعتراف بإبادة الأرمن فلسطين المحتلة | فلسطينيون يتظاهرون في رام الله احتجاجاً على قرار ترامب حول القدس الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد أن ايران تحترم بالفعل التزاماتها الواردة في الاتفاق النووي المبرم مع دول مجموعة خمسة زائد واحد عام 2015 أمريكا | الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعو إلى تسليح معلمي المدارس -لمواجهة ظاهرة العنف- فيها !!!


الصفحة الرئيسية الدراسات والتوثيق

الثّقافة والدّولة والمعارضة .. والسّياسة وبديهيّات مستقبل الصّراع | بقلم: اللواء الدكتور بهجت سليمان
الثّقافة والدّولة والمعارضة .. والسّياسة وبديهيّات مستقبل الصّراع

بقلم: اللواء الدكتور بهجت سليمان  
استعرض مقالات الكاتب | تعرف على الكاتب
11-02-2018 - 167

مواضيع ذات صلة:


 



سلسلة الفكر الاستراتيجي - الحلقة الثانية 
على رغم جميع " مآثر " و مآسي هذه الحرب ، فإنّها لم تُفلح في أن تجعلَ الكثيرين من السّوريين وقوداً رخيصاً لها ؛ كما لم تُفلح الدّولة السّوريّة ، تماماً ، في إيصال خطابها السّياسيّ ، بالسّرعة الضّروريّة ، إلى العامّة. 
لقد استحلّ البعضُ فرصةً تاريخيّة من حيث أنّهم وجدوا في الحرب ما لم يجدوه في السّلم من ظروف ، على صعيد ممارسة هوايات التّحلّل و التّخلّع و الجشع و التّطاول.. ، كما على صعيد اكتشاف إمكانيّة اكتشاف الجانب العدميّ في الحياة الذي يؤهّلهم لِيكونوا " فاعلين " أيضاً إلى درجة لا تقلّ عن فاعليّة الخاصّة و القادة و الزّعماء!
هذه الصّورة المعقّدة و الموضوعيّة و الصّعبة ، هي الواقع الذي يحكم و سيحكم ، مستقبلاً، نهايات الصّراع و مصائره ، في سورية.
لهذا فمن الأجدى أن نكون قادرين على التّنظير على المستقبل السّياسيّ لسورية ، مع أنّ الكثير من تباشيره صار اليوم رهن الوضوح العامّ ، و طبعاً في تجاوز التّفاصيل التي ستبقى ، دوماً ، رهناً لوقائع الحدث اليوميّ ، الذي كثيراً ما يفاجئ حتّى أقدر العقول و أوسعها استراتيجيّةً و شمولاً و واقعيّةً و عقلانيّة.
علينا ، في الفكر ، منذ اليوم ، أن ننظر بعين التّوقّع ، و الفهم ، إلى " استراتيجيّات " القوى الاجتماعيّة المعاندة للدّولة ، للنّظام العامّ ، و للنّظام السّياسيّ ، و التي لا تفتأ تعمل ، و ستعمل ، على تجيير أفضل النّتائج الوطنيّة التي خرجت ، و ستخرج ، بها الحرب ، لمصالحها التي لا تَنْبَتُّ عن المشاريع المنغلقة التي كانت وقوداً في تأجيج لهيب الحرب نفسها ، بما قدّمت لها من عِدّة و عديد و احتضانات مباشرة و غير مباشرة للإرهاب و العنف و العداء للدّولة و المجتمع و طرائق التّعاطي التّلقائيّة مع " الوطنيّة "و منظومات التّفكير.
من المفهوم ، و من دون الخوض في التّفاصيل ، كيف أنّ بعض تلك القوى الماضويّة و الرّجعيّة تحتلّ مكانةً " رسميّة " في الدّولة السّوريّة ، مختبئةً وراء شعارات و مزايدات و خطابات سياسيّة و أيديولوجيّة في أخاديد و مفاصل المؤسّسة و الإدارة ، في الوقت الذي تُمارسُ فيه جميعَ استعداداتها من أجل الانقضاض على نتائج النّجاح الوطنيّ و الانتصارات الشّعبيّة ، التي حقّقتْها الدّولة الوطنيّة السّوريّة في الميادين العسكريّة و الاجتماعيّة- السّياسيّة في أغلب مساحات الوطن.
إنّ الحشد و التّحشيد " الشّعبيّ " للإسلام السّياسيّ - كمثال - لا ينتهي على ما يبدو ، و إنّما يُعاد إنتاجه من جديد في كلّ " خطاب " يتمكّن من ذلك ، سواءٌ أكان هذا الخطاب أهليّاً أو مدنيّاً ، أم كان- و هذا الأنكى!- رسميّاً في " مؤسّسات " الدّولة ، سواءٌ في " نقد التّاريخ " الإسلاميّ - السّياسيّ ، أو في إعادة تدويره و استيراده إلى الحاضر.. !
هذا مثالٌ على الثّقافيّ (بأل التّعريف ) الذي لا يحدّه العامل "الثّقافيّ" (الاتّفاقيّ) و إنّما يتعدّاه إلى ما ليسَ له حدود.
إنّها حقيقة سياسيّة تاريخيّة هذه التي تقول باستحالة تخلّي القوى الرّجعيّة ، في أيّ مجتمع من المجتمعات المنغلقة ، عن برامجها و أدواتها و طموحاتها المختلفة ، و لو استطاعت أن تتغلّف أو تتبوّغ ريثما يتوفّر لها " المناخ " الملائم لتعاود انتعاشها من جديد.
و أمام حقيقة سياسيّة يُقرّ بها جميع المفكّرين السّياسيين الاستراتيجيين في الغرب و الشّرق ، و هي أن منطقة " الشّرق الأوسط " سوف تظلّ - كما كانت على الدّوام ، منذ الحرب العالميّة الأولى - مزعزعة و متصدّعة من الوجهة الاجتماعيّة و السّياسيّة ، في الوقت الذي يعني فيه هذا الأمر انفتاح الاحتمالات المختلفة على إعادة تجربة " الحرب " في أشكالٍ ناريّة مسلّحة للصّراع ، أو في أشكال أخرى متوقّعة أو غير ذلك ..
أمام هذه الحقيقة ، فإنّ احتمالات و وجهات التّفكير السّياسيّ الضّامن للوطن في " الدّولة "، يجب عليه أن يبدأ عصر " التّنظير المُخطّط "، فكريّاً و سياسيّاً ، منذ هذه الّلحظة ، بعد أن لم يكن كذلك في يوم من الأيّام.. !!؟
ربّما ما تزالُ احتمالات الانفجار الصّاعق ، في المنطقة ، قائمة حتّى قيام السّاعة السّياسيّة التي تصبح فيها دولُ المنطقة مستقلّة عمليّاً ، في " القرار " التّاريخيّ ، و قادرة على الرّدع أو ما هو أكثر من ذلك أيضاً.
و عندما نقول هكذا و نتّفق على ما نقول ، فإنّ المشكلةَ ، فعلاً ، إنّما تبدأ من تحت قدميك.
يجتمع الكثيرون من قرّاء السّياسة و المفكّرين السّياسيين ، على رأيِ أنّ القرن العشرين كان قرناً للمذابح و الحروب. . و أمام هذا لنا موقفان :
1 ـ الأوّل : هو أنّ هؤلاء لم يصلوا إلى القرن الواحد و العشرين ، بغالبيّتهم ، و إلاّ لشاهدوا افتتاحيّته الصّاعقة ، و ربّما لكانوا قد غيّروا أو خفّفوا من تطرّف أفكارهم هذا.
2 ـ و الثّاني :هو أنّنا في بداية قرننا هذا الذي افتتحته الحروب الطّامعة بواسطة العنفِ غير المسبوقِ ، علينا أن نُكثرَ من الاحتراس من أنّنا وارثون لقرنٍ ، أجمع أكابرُ نخبته على أنّه قرنٌ عنيف ، بالإضافة إلى ما نحياه اليوم من افتتاحيّة متوحّشة و بربريّة لقرننا المعاصر.
أمام هذين الموقفين ، لا بد من تحديد مغزى التّحفّظ أو التّحديد اللذين يستندان إليهما ، في وقت واحد.
كان لهذه الحرب نتيجة - و لو أنّها كانت خارج نطاق الأهداف ، أو ربّما لم تكن أيضاً كذلك.. - و هي زعزعة شبكة العلاقة الاجتماعيّة و النّفسيّة المستحدثة بواسطة السّياسة الوطنيّة المعاصرة ، في فترة معيّنة من الزّمن ، بالماضي الوطنيّ القريب. 
لقد عملتْ أدواتُ الحرب السّياسيّة الدّاخليّة ، تلك المسمّاة " معارضة "، على تدمير التقاليد التي تراكمت منذ ما يقرب نصفَ القرن ، لسورية المعاصرة.
لقد تناول المحاولة ، كنتيجة موضوعيّة للصّراع ، على الأقلّ ، أسس العلاقات التي شكّلت بيئة ربط الأسباب بالنّتائج ، التي كانت بيئة لازمة و كافية في قدرتها على توجيه التّطوّر و مراكمة هذا التّطوّر في اتّجاهٍ بنائيّ.
أخذ ذلك " التّدمير " شكلَ تفتيت الآليّات الاجتماعيّة التي يرتبط بها الفرد - المواطن ، في تجربته المعاصرة المراكمة للجدوى و الانتماء ، بتجربة الأنساق الفكريّة السّابقة و أنماط الحامل الاجتماعيّ للأفكار و أنساقها ، التي كانت قيد الاستقرار ، مع جميع الأجيال السّابقة التي شكّلت بتضامنها التّاريخيّ الوطنيّ ، درساً اجتماعيّا موائماً للاجتماع. . هكذا كان الدّخول إلى " الاجتماعيّ " عن طريق " السّياسيّ ". 
نحن هكذا ننظرُ إلى خطورة ما قامت به ما سُمّي و يسمّى بالمعارضة السّوريّة. . إنّ البعدَ الأخطر فيها و الذي لا يزال مشتغلاً في حقوله و فضاءاته في الممارسة المباشرة ، حصراً ، إنّما هو البعد " الثّقافيّ " الذي يبدو عليه " التّراجع "، و لكنْ فقط لاستحداث أدواته الجديدة المُطوّرة و المُحسّنة.
كان من باب التّقليل من الأضرار الاجتماعيّة في عدوى الظّاهرة ، في رفضٍ سياسيّ للانحرافات الوطنيّة الشّاملة ، موجّه و مقصود ، أن َنقبل على أكثر من المَضَضِ إعادة دمج المكوّنات المُناقضة للمجتمع.
البعضُ يقول لم يكن في ذلك خيار. . و الأحرى أن نقول إنّ ثمّة خياراً كان قائماً ، انطلاقاً من أنّنا لا ننظرُ إلى هذه المكوّنات المتنافرة في عمليّة الدّمج ، على أنّها القدّر السّياسيّ الوحيد أمام " المجتمع "، و لو أنّها يمكن أن تشكّل قدراً ثقافيّاً واحداً أمام " الجميع "، و لو إلى حين.
و على أنّ " التّعليل " الأفضل للعمليّة السّياسيّة الممكنة يكمن في " الثّقافيّ " الذي يشمل الكثير من مكوّنات " الاجتماعيّ " و " السّياسيّ "في كلٍّ من البنيتين التّحتيّة و الفوقيّة للدّولة و " النّظام "، فإنّ المنظومة الجديدة التي ننظر إليها على أنّها المنظومة الأكثر عمليّة لتوزيع القوّة و التّوجيه و الاستحداث و الإبداع ، و المتوفّرة توفّراً سخيّاً أمام " العمل " و التّأثير المؤكّد ، إنّما تواجهنا في " السّياسيّ "، في حقل " الثّقافيّ " بالتّحديد ..
و على هذا الأمر ينبغي أن يتوقّف الكثير من مستقبل تخطيط " الدّولة " بدءاً من " الدّستور " و مروراً ب" القانون " و معاصَرَةً - و ليس نهايةً.. - لبرامج التّأهيل و إعادة التّأهيل.
إنّ " الثّقافيّ " عاملٌ واسع و مضمار بلا حدود. 
يبدو لغير المشتغلين بالسّياسة و لغير المجرّبين بالشّأن العام ، أنّ الإطار العامّ للثّقافة هو إطار محدود بالمضمون الّلغويّ للتّسمية أو بما يتجاوزها بقليل.
على أن هذا يعود لضحالة التّجربة " الثّقافيّة " نفسها تلك التي يتبنّاها هؤلاء في معرض الاطّلاع و الانتماء و التّطبيق.
يدخل في " الثّقافيّ " الكثير من أسباب النّتائج التي تبدو غير مفهومة و بلا أسباب مفهومة أو واضحة. . ففي هذا الإطار يجتمع ما هو من المكوّنات من " الهذيانات " الاجتماعيّة و النّفاق الأخلاقيّ الذي استطاعَ أن يحتكر شرعيّة الأخلاق.. ، و حتّى إمكانيّات الابتكار و القدرة على التّواؤم و التّمثّل و الانعكاس.
في التّاريخ لا يبدو ، يقيناً ، أنّ الاهتمام الإنسانيّ بالقضايا أو المسائل الاجتماعيّة و السّياسيّة ، أحدثُ عهداً ( أو أقدمُ عهداً.. ) من الاهتمام العلميّ ب" الكونيّات " أو " الطّبيعيّات " أو " التّطبيقيّات "[ هذا تبنٍّ لكلام قال مثله ( كارل بوبْر )..]. 
هذه حقيقة نسوقها على إيضاح عمق تداخل العلاقة ما بين الأبعاد التّكوينيّة الثّقافيّة ( الشّاملة ) للإنسان في معرض الحاجة إلى الانسياق وراء لغة المصير.
إذاً نستطيع أن نؤكّد ، إلى ذلك ، على أنّ التّفوّق " المعرفيّ " البشريّ ل" الذّات " المكوَّنة تكويناً " ثقافيّاً "، إنّما كان حصيلة للقفزات المركّبة في ، الأسباب و الظّروف ، في مواعيد ليست محدّدة ، على عكس ما يمكن أن يستوحي البعض..
و لو أنّ الأمر غالباً ما كان يترافق مع مؤشّرات تاريخيّة ، لها علاقة مباشرة بدرجة التّحدّي الذي تطرحه الطّبيعة و الأفكار أمام التّحفيز. 
و هذا أمرٌ يتّصل ب " الإبستمولوجيا " من حيث الإجابة على سؤال : " كيف نعرف؟". . و نحن في " الثّقافيّ " دون ذلك ، من جهة أنّ " الثّقافيّ " هو ما بواسطته ، و من خلاله ، إنّما نستطيع أن نقدّرَ أو نخمّن و نَصِفَ الحالة الرّاهنة لاتّجاهات " التّطوّر " و احتمالاته ، و من هنا نفهم كيف يتّصل " الثّقافيّ " ب " السّياسيّ " اتّصالاً مباشراً في " المجتمع ".
لقد شكّلت " الحرب السّوريّة " مناسبةً تاريخيّة ، إذاً ، لاختلاطات الثّقافيّ بالاجتماعيّ بالسّياسيّ ، و كان ذلك عبر تداخل " الدّينيّ " ب" الأخلاقيّ "- و ربّما بالفلسفيّ ، أيضاً!- و كان أن تنطّح فيها لتمثيل الجانب ( أو العامل ) " الثّوريّ " في " الحركة " و " التّحرّك " و " الحراك " ما سُمّي ب" المعارضة " السّياسيّة المزيّفة و التي لم تعبّر سوى عن أطماع سياسيّة تاريخانيّة ، تتّهم التّاريخ بميله إلى " الحتميّات " الكاذبة ، و التّضاؤل و التّصاغر و التّتافُه و الخلاعة و الانحلال.
و من خلال ذلك ، فقط ، تبدو لنا الخشية من استمرار الانحرافات و الهذيانات و العُصابات الشّاملة التي عاصرت ظروف الحرب ، تبدو لنا أنّها مرشّحة لاحتمالات الاستمرار و ارتدائها ، أيضاً، لأقنعة مزيّفة تقدّم فيها نفسها على غير ما هي عليه.
ينهضُ وراء هذه " الاحتماليّة " ما أوردناه ، أوّلاً ، من احتماليّة عدم قدرة " المؤسّسة العامّة "، أو من عدم تأهيلها من أجل " الإحاطة " بظروف الأسباب و النّتائج.
لا يمكن إحصاء تلك الأسباب و النّتائج ، علمياً و لا واقعيّاً ، بمناهج و وسائل و أدوات سابقة على " الحرب " كانت أن جُرّبت و أخفقت في ظروف " السّلام "؛ كما أنّه لا يكفي أن يتّجه " العزم " إلى التّشخيص من دون " تأهيل " القواعد الّلازمة لذلك.
نوجّه ، هنا ، نقداً ثقافيّاً - كما لاحظنا في عموميّة " الثّقافة " و اتّساعها ، أعلاه - إلى واقع ثقافيّ أيضاً يشمل الكثير من مخاوف " العقل " في أن تبدو " الّلحظة " عابرة كما غيرها من الظّروف ، التي لا يطالها التّكهّن أو الضّبط أو التّحديد. 
ذلك أنّه لا زالت " المؤهّلات " الأهليّة ل " المجتمع " عالية بحيث أنّها لا تعجز عن استغراق سلطة " المؤسّسة العامّة " التي يجب أن تمارسها " المؤسّسة " دون تحيّزٍ اجتماعيّ ارتكاسيّ أو نكوصيّ مكرور أمام الفكر. 
و عبر " الثّقافيّ "، وحده ، بما هو إطارٌ كلّيّ للإنتاج الاجتماعيّ ، غير المتعضّي أو المتمايز ، يُستحسن ، عمليّاً ، " الاندماج " غير الأكيد ، و غير الأصيل ، ل" الإنسانيّ " في أن يستمرّ- و لكي يستمرّ - على رغم حاجات النّخبة المعبّرة عن " الطّليعة " التّاريخيّة في الفصول و المفاصل الصّنعيّة و الموضوعيّة ، كما هي تللك التي تقرّرها و تخلقها الحرب.
القبليّ و الدّينيّ ( أو بالأحرى ، التّديّنيّ ) و العرفيّ و الجمعيّ.. ، إلخ؛ كلّ هذا و ما إليه ينافسُ " الميل " الثّقافيّ الممكن الذي ينجم عن الضّرورة الظّرفيّة منها و المستقبليّة ، أيضاً ؛ و هو نفسه الذي يبدو ، في مبيان " الاجتماعيّ " أنّه مقبولٌ لقرابته مع " الثّقافيّ ". . هذا هو وجه التّعقيد الذي تواجه فيه " الثّقافة " مهمّات الانتقال من " مجتمع الحرب " إلى " مجتمع السّلم ".
يبدو ، على هذا الأساس ، أنّ التّحدّي المقبلَ- و الحالَّ - هو أكبر من مجرّد " تقنين " المرحلة الانتقاليّة التي بدأنا بها ، في سورية ، كمخلّفات من مخلّفات الحرب. 
نحن أمام حاجة إلى " تجسير " ( جَسْرِ ) هذه الهوّة المفصليّة التي ترتّبت و تترتّب أمام الأجيال المقبلة ، بخاصّة ، و ذلك كلّما أسفرت الوقائع عن إمكانيّاتٍ جديدة للنّظرة الجديدة التي باتت واجباً، هي الأخرى ، من واجبات الإعداد و التّغيير.
من المهمّ جدّاً ، أن نستطيع ضبط " المتغيّرات " التي أحدثتها الحرب و تسميتها و وصفها ، جيّداً ، قبل الشّروع بتقنينها ، و كذلك في أثناء هذا التّقنين ، إلى ما يتجاوز التّقنين نفسه نحو تفعيل المؤسّسات الّلازمة لذلك و هي كثيرة ، على نحو لا تُدركه النّظرة " القديمة " السّابقة على الحرب ، حيث لم تستطع بدليل الكثير من الآثار و النّتائج غير المرغوبة ، و بخاصّة منها تلك التي لا تُعتبر من "موضوعيّات" هذه "الحداثة" التي تعاظمت فيها جميع صنوف الآلام و الآمال.

لا يقلّ ، إذاً ، التّنظير الثّقافيّ على نتائج و اتّجاهات التّطوّرات الجديدة ، أهمّيّةً ، عن وقف و تعطيل جميع أعمال الحرب.
و إذا كان الاجتماع " الدّامي "، أو " المنحرف "، قد عبّر و يعبّر عن مضامينَ عميقة في الّلاشعور التّاريخيّ للمجتمع ، فإنّ ما لا يستطيعه الّلاشعور لا يمكن أن يقوم به سوى اليقين المبثوث في العمل. 
نحن لا يُمكننا أن نجتمع بذلك اليقين في ضروب التّكرار و القول في المعتقدات و صنوف الأيديولوجيا التي تجاوزت الحاجة إليها طاقتها و قدرتها على التّأثير أو الفعل ، في معرض الحاجة إلى خلق البيئة " الثّقافيّة " التي تتمكّن من التّفاعل الحيّ مع فجوات " الثّقافيّ "، التي أحدثتها أو كشفتها أعمال الحرب التي تشيّعت لها " المعارضة " و جزء كبير ، أيضاً ، ممّن يزعمون " الموالاة".
سوف تكبرُ مسألة " الثّقافيّ " في الوقت الذي سيعقُبُ الحرب ، و سوف تكون أكثرَ أهمّيّة اجتماعيّة ، عندما سنرى أنّ الانقسام المقبل ، الاجتماعيّ و السّياسيّ ، إنّما سيكون على " الثّقافة " بعد أن فشلت أدوات الحرب في تحقيق أهدافها على الدّولة و الوطن.
ربّما تكون قد أحرزت نتائج هامّة على صعيد " الاجتماعيّ "، الأمر الذي يعزّز نظريّتنا ، هذه ، في الدّخول إلى " الاجتماعيّ "، من جديد ، عن طريق " الثّقافيّ "، بعد أن لم يكن كافياً - و لن يكون - معالجة الاجتماعيّ بواسطة " الأخلاقيّ " أو " الدّينيّ " أو " الإعلاميّ " باستقلال أو بتعاون و تضامن و تركيب.
من الطّبيعيّ أنّ أشكال " الصّراع " المختلفة سوف تستمرّ في هذا الفالق " السّياسيّ "، بين الدّولة و " المعارضة " عن طريق " الثّقافيّ " الذي يمتد في الماضي إلى جذور تؤهّله ليكونَ فاعلاً ، أيضاً ، في المستقبل.
هذه المسألة ليست مسألة قرار سياسيّ أو رغبة أو نتيجة مباشرة للإرادة.. و من الممكن للجميع " التّكهّن " بهذا الاستمرار في حقول معروفة لم تكن ، حتّى اليوم ، حكراً على أيّ من الطّرفين - أو الأطراف – سواءٌ من قبل الدّولة و النّخبة الوطنيّة صاحبة النّظرة الواضحة في الانتماء ، أو من قبل أولئك الذي يرون في كلّ منعطف وطنيّ مناسبةً للاستثمار الرّيعيّ الشّخصيّ أو المرتزق و المأجور.
و من المفيد ، هنا ، أن نذكر أنّ كيفيّات " الصّراع " قد أخذت ، منذ البدايات ، أشكالاً مفتعلة ، قادتها " المعارضة "، على " الإنسانيّ " و " حقوق الإنسان "، وكذلك على " الأخلاقيّ " و ما إليه..
كانت هذه " النّغمة " تتصاعد في كلّ مرّة تندحر فيها قوى " المعارضة " المزيّفة نحو مزيدٍ من التّراجع المسلّح أو السّياسيّ.
كانت العلامة الأقوى لممارسات " الثّورة المضادّة " التي قادتها " المعارضة "، بالتّآزر مع " الإرهاب " البربريّ الفاشيّ ، هي الولوج إلى الثّقافيّ ، في تحريفيّة مضمونيّة غزيرة ، بواسطة الإعلام " العاطفيّ " ( و هذا مؤثّر ثقافيّ ، أيضاً ) و الممارسات القريبة منه. 
و لأنّ ذلك مجالٌ قائمٌ و لا ينفُدُ ، كبيئة و موضوع ، فإنّه من البسيط أن يكون التّوقّع منصبّاً على هذه " المادّة " الخام المتوفّرة دائماً في حقول و أجواء " الصّراع ".
سنرى ، بعد حين وجيزٍ ، و بعد الخروج من تِيهِ مفردات " الصّراع " و معمعة خرافات التّبدّد السّياسيّ في مصطلحات كانت موحية ظرفيّاً ، كالصّراع على " الهويّة " و " الانتماء " و " المشروع " و " المستقبل "، و ربّما في أكثر من هذا " بداهةً " و " واقعيّة "، سنرى أن " الحرب " ستعود ، من جديد ، إلى المواجهة ما بين " الكتل " الثّقافيّة التّقليديّة أو " المُطوّرة "، و لكن تلك التي لا تخرج ، كمحصّلة عمليّة ، عن الخطاب الغائر في الشّقوق التي تغزو البناء المعاصر للدّول المستقلّة في ظلّ ظروف الهيمنة العالميّة للقوّة و الاستئثار.
الذي يجب أن يكون في قلب " الاهتمام " و الملاحظة الجديدة ، إنّما هو واقع أنّ " المعارضة " التّاريخانيّة لا يمكن لها إلّا أن تستمرّ في خياراتها الّلاتاريخيّة التي تعتمد على " الثّقافيّ "، أوّلاً ، من أجل تحقيق هدفها " السّياسي " أو من أجل العمل عليه - على الأقلّ - و هذا ما سوف ينغّص ، دوماً ، على " الاستقرار " و " الاستقلال " ضروراتهما التّاريخيّتين.

نحن ، إذاً ، على موعدٍ مع تجدّد " الصّراع " السّياسيّ ، بواسطة " الثّقافيّ " نفسه الذي كان عاملاً قويّاً من عوامل استمرار " الانقسام " العموديّ و الأفقيّ ، في هذه الحرب لسنوات طوال.
و في الوقت الذي لا يمكن فيه للفكر أن يُحدّد إطار و عمق تأثير " الثّقافيّ "- الاجتماعيّ ، في ميوله و اتّجاهاته الرّئيسيّة ، على الأقلّ ، فإنّه لا يُلامُ أبداً صانع " السّياسات " إلّا على ثقته المفرطة في براءةِ واقعٍ قائمٍ على خلل تاريخيّ يطبع المجتمعات الهجينة ، ثقافيّاً ، بطابعه القلق أو طابعه الّلاأخلاقيّ.
و عندها سوف لن يكون الأسف أو عدمه ، من مفردات الفعل السّياسيّ الذي لا يقف عند مثل هذه التّرّهات.
" الثّقافة " إطارٌ يشرط جميع حقول الدّولة و المجتمع كمنتوجَيْنِ تاريخيين للثّقافة. و السّياسة العامّة قدرة من التّقرير و الإلغاء تواجه فيها انحرافات " الثّقافيّ " في " المؤسّسة "، أوّلاً ، ثمّ في مناطق نفوذها في المجتمع و الأفراد و الفئات و الجماعات ، و المشاريع " السّياسيّة " التي لا تنتهي في الصّراع على " شرعيّة " القوّة التي تفسّر الطّموح إلى ما تُسمّى " السّلطة "، بما في ذلك " المصلحة " و " الثّروة " و " التّفوق " و " الإخضاع ".
أخيراً ، بجب أن نكونَ واضحين في القول إنّه ليس لما يُسمّى ب" المعارضة " حدود ، مثلما شاهدنا أنّه ليس للثّقافيّ حدود. .و أمام محدوديّة وظيفة " الدّولة "، بالقياس إلى ذلك ، فإنّ تفوّق " الدّولة " الضّروريّ ، يجب أن يكون في تعزيز دورها في البيئة التي تفوّقت فيها " الثّقافة " على " الدّولة "، من باب حاجة " السّياسيّ " إلى " الثّقافيّ "، و ذلك في " المكان " الذي غزته " المعارضة " في المنافسة على " السّياسيّ " و أعني في رحاب الثّقافة.. و هذه " بديهيّات " سياسيّة في الصّراع ، أو يجب كذلك أن تكون.

المثقفون بين الواجب والممكن
بقلم: د. إبراهيم أبراش

كيفية التصدي لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية؟
بقلم: بقلم : أحمد السعدي



اضغط هنا لقراءة كل مواضيع الكاتب اللواء الدكتور بهجت سليمان |

مواضيع ذات صلة:


 



تعريف جامعة الأمة العربية
النظام الداخلي
إحصائية شاملة
قدّم طلب انتساب للجامعة
أسرة الموقع
اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لموقع جامعة الأمة العربية © 2013 - 2018
By N.Soft